هبه وصفي تكتب:
بين ذاكرة الحرب وقلق التطبيع…
إسرائيل عدو الأمس… هل تصير حليف اليوم؟
ذاكرة الحرب وأسئلة التطبيع… وحيرة جيلٍ لم ينسَ
لم تكن السياسة يومًا أرقامًا على خرائط، ولا اتفاقيات تُوقَّع في قاعات مغلقة.
السياسة، في جوهرها، ذاكرة.
والذاكرة لا تُمحى بسهولة.
يقال اليوم إن العالم تغيّر، وإن التحالفات لم تعد ثابتة، وإن المصالح صارت فوق الشعارات. ويُطرح السؤال بهدوءٍ بارد: هل يمكن أن تتحول إسرائيل من عدو الأمس إلى حليف اليوم؟
لكن قبل أن نجيب، علينا أن نسأل: هل تستطيع الذاكرة أن توقّع معاهدة نسيان؟
لم أتعلم معنى العداء من كتب السياسة، بل من صوت أبي. كان يحدثني عن العدوان الثلاثي على بورسعيد عام 1956، عن البيوت التي سقطت، عن الجوع الذي اعتصر البطون، عن الأطفال الذين ناموا في المدارس بعد أن صاروا بلا مأوى. مدينة تقصف. بيوت تنهار. نساء تثكل. أطفال يُيتمون.
كان طفلًا حينها. تهجّر إلى محافظة دمياط، إلى مدرسة تحولت إلى معسكر، ينام فيها المهجّرون على أرضٍ باردة، يقتسمون الخبز والخوف. رفض أجدادي الرحيل. بقوا في “الباسلة” مع من قرروا الدفاع عن الأرض. استشهد أعمامي هناك. لم يكن لديهم خيار: إما الدفاع… أو الفناء.
ثم لم تمضِ سنوات حتى جاءت حرب يونيو 1967، فعاد التهجير قسرًا، وعاد الفقد، وعادت المرارة. كأن القدر يعيد المشهد بوجوه مختلفة. كأن التاريخ يكتب الألم بالحبر ذاته.
كبرتُ وأنا أسمع أن إسرائيل عدو. لم يكن تعريفًا سياسيًا نظريًا، بل إحساسًا متجذرًا في الذاكرة، في الحكايات، في أسماء الشهداء، في البيوت التي صارت حطامًا.
كبرتُ… وربما حاولت أن أتناسى.
حتى دخلتُ الجامعة ذات يوم، فوجدت ساحة الكلية تعج بصورٍ معلّقة: أطفال، بيوت مهدمة، وجوه دامعة. وتصدّرت المشهد صورة الطفل محمد الدرة مقتولًا في حضن أبيه. لم تكن صورة في صحيفة؛ كانت صفعة. أعادت إليّ روايات أبي، أعادت طعم النزوح، أعادت السؤال الذي لم أجد له إجابة:
هل يتغير العدو بتغير الزمن؟ أم تتغير فقط أدواته؟
في الماضي، كان العدوان واضحًا: دبابات، طائرات، قصف مباشر.
اليوم، يقول البعض إن الزمن تغيّر. حديث عن سلام، تعاون، استثمارات، تكنولوجيا، تطبيع. يرى فريق أن التطبيع ضرورة سياسية واقعية تفرضها موازين القوى. ويراه آخرون عنوانًا لعجزٍ عربي ممتد، أو تنازلًا أخلاقيًا عن ذاكرة لم تُنصف بعد.
المعضلة ليست في الاعتراف بالواقع السياسي؛ فالواقع لا يُلغى بالشعارات. إسرائيل اليوم حقيقة جيوسياسية، دولة معترف بها دوليًا، قوة عسكرية واقتصادية مؤثرة، وشريك لبعض الدول العربية في اتفاقيات علنية. لكن السؤال الأعمق يبقى:
هل يمكن أن يتحول العدو في الوعي الجمعي إلى حليف دون معالجة الجرح؟
هل يُبنى السلام على ذاكرة لم تُنصف بعد؟
هل تتغير الذاكرة بتغير المصالح؟
ثمة خوف خفي يتسلل بين السطور: أن تتحول المعركة من الأرض إلى الوعي. من احتلال الجغرافيا إلى احتلال الذاكرة. من حرب السلاح إلى حرب المعنى.
تقول القوى الكبرى إنها ترفض الحرب، لكنها لا تغلق مصانع السلاح. ترفع شعارات السلام، بينما تبقى أسواق الشرق الأوسط الأكثر رواجًا. نخرج من حربٍ لندخل أخرى. يتغير الشعار، ويتغير اللاعبون، لكن الضحايا هم أنفسهم. فهل كُتب على هذه المنطقة أن تكون ساحة تصفية حسابات اقتصادية وسياسية؟ أم أن العجز عربي بامتياز؟
ثم هناك مشهد آخر لا يقل قسوة: مشهد اللاجئين.
من مدن القناة في 1956 و1967 إلى مخيمات فلسطين، من الحرب في سوريا إلى سواحل المتوسط، صار النزوح صورة متكررة في نشرات الأخبار. مراكب متهالكة. أجساد تبتلعها الأمواج. ناجون ينتظرهم العقاب لأنهم “تسللوا” بحثًا عن حياة.
لاجئون فلسطينيون. سوريون. سودانيون. يمنيون. عراقيون.
المشهد يتكرر حتى فقدنا القدرة على الارتجاف. صرنا نتابع المآسي كما نتابع مسلسلًا. نشارك الأخبار دون تحقق. نتعاطف لدقائق… ثم ننتقل إلى منشور آخر. هل أصابنا التبلد؟ أم أننا نحتمي باللامبالاة لأن الألم أكبر من احتمالنا؟
أوطان تلفظ أبناءها… وأبناء يبحثون عن وطن.
تركوا الأرض، والقبور، والذكريات. بعضهم هاجر طوعًا، وبعضهم هُجّر قسرًا، وبعضهم فرّ من المجهول إلى مجهول أشد قسوة. في مصر، عرفنا معنى أن تُترك البيوت خلف الظهور لأن الحرب قررت. عرفنا أن الوطن قد يتحول فجأة إلى ساحة نار، وأن الذكريات يمكن أن تصبح رمادًا.
يبقى السؤال معلقًا:
هل سيأتي يوم تُغلق فيه مصانع السلاح، وتتوقف خرائط النزوح، ويصبح السلام فعلًا لا شعارًا؟
أم أننا سنظل ندور في دائرة العداء… ثم المصالحة… ثم العداء من جديد؟
إسرائيل في السياسة واقع.
لكن في الوجدان، تبقى الذاكرة حاضرة. تبقى روايات الآباء. تبقى صور الأطفال. تبقى البيوت التي سقطت.
فهل يمكن أن تتحول عداوة التاريخ إلى تحالف المصالح؟
وهل يمكن للسلام أن يولد دون عدالة؟
الذاكرة لا تموت، لكنها قد تُساوم. والسياسة لا تنسى مصالحها، لكنها قد تنسى البشر.
وبين ذاكرة لا تريد أن تنسى… وسياسة تريد أن تمضي… يقف جيلٌ كامل حائرًا، يسأل:
هل يمكن أن نصالح المستقبل دون أن نخون الماضي؟

