هبه وصفي تكتب :
في ممر طويل داخل مؤسسة حكومية قديمة، تتراص المكاتب على جانبيه في صمت ثقيل. إضاءة باهتة، مراوح تدور ببطء، وملفات ورقية متراكمة توحي بأن الزمن هنا لا يتحرك بالسرعة نفسها التي يتحرك بها خارجه. الموظفون يحضرون في الموعد، يوقعون في سجل الحضور، يتبادلون أحاديث قصيرة، ثم يبدأ يوم يشبه ما سبقه… وينتهي كما انتهى الأمس.
هنا، لا تبدو الأزمة في غياب الوظيفة، بل في غياب المعنى.
البطالة المقنّعة ليست مجرد مصطلح اقتصادي يُستخدم في تقارير التنمية.
هي حالة يعيشها موظف يذهب كل صباح إلى عمل يعرف في قرارة نفسه أن وجوده أو غيابه لا يغيّر شيئًا. أن يشعر الإنسان بأنه “فائض عن الحاجة” رغم امتلاكه عقدًا رسميًا وراتبًا ثابتًا، هو أحد أقسى أشكال الإحباط المهني.
في ظاهر الأمر، يبدو كل شيء مستقرًا: رواتب تُصرف، مكاتب ممتلئة، وجداول حضور منتظمة.
لكن في العمق، هناك طاقات مهدرة، ومهارات لا تُستثمر، وشباب ينتظرون نهاية الدوام أكثر مما ينتظرون فرصة للإنجاز.
تعود جذور البطالة المقنّعة في كثير من الدول العربية إلى عقود من “التوظيف الاجتماعي”، حيث تحولت الوظيفة الحكومية إلى أداة لامتصاص الغضب المجتمعي وتوفير حد أدنى من الأمان الاقتصادي للخريجين.
كان الهدف نبيلًا في سياقه: منع البطالة الظاهرة، وتحقيق الاستقرار.
لكن الثمن كان جهازًا إداريًا متضخمًا، ومؤسسات تعمل بأقل من نصف طاقتها الفعلية، وموظفين يؤدون أدوارًا يمكن دمجها أو إلغاؤها دون تأثير حقيقي على سير العمل.
المشكلة ليست فقط في تعطّل عجلة التنمية، بل في الأثر النفسي المتراكم على الأفراد.
الشعور بعدم الجدوى يتسلل ببطء: يتحول الطموح إلى روتين، والإبداع إلى التزام شكلي،
والحلم إلى انتظار معاش تقاعدي مبكر.
تؤكد دراسات في علم النفس المهني أن غياب الإحساس بالقيمة داخل بيئة العمل يؤدي إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب وفقدان الحافز. العمل، في جوهره، ليس مصدر دخل فقط، بل مصدر هوية ومعنى. وعندما يُفرغ من معناه، تتآكل الثقة بالنفس تدريجيًا.
جهاز إداري مترهل… وتنمية متعثرة
على مستوى الاقتصاد الكلي، تعني البطالة المقنّعة أن الدولة تدفع رواتب دون مقابل إنتاجي حقيقي.
النتيجة: تكلفة مالية مرتفعة، خدمات بطيئة، وإجراءات معقدة تعيق الاستثمار.
ومع تضخم الجهاز الإداري، يصبح الإصلاح أكثر صعوبة. أي محاولة لإعادة الهيكلة تُقابل بحساسية اجتماعية، لأن الوظيفة لم تعد مجرد عمل، بل صارت صمام أمان لعائلات كاملة.
من ثقافة الحضور إلى ثقافة القيمة
المعالجة الحقيقية لا يمكن أن تكون بقرارات فجائية أو تسريحات جماعية، بل تحتاج إلى ما يمكن وصفه بـ “ثورة ثقافية” في مفهوم العمل ذاته.
الانتقال من: ثقافة “الحضور والانصراف”، إلى ثقافة “الإنجاز والقيمة”
وهذا الانتقال يبدأ بإصلاح التعليم، وربط مخرجاته باحتياجات السوق، ويمر بإعادة تدريب الموظفين وتأهيلهم، وينتهي بفتح آفاق حقيقية لقطاع خاص قادر على استيعاب الطاقات وتوظيفها بفعالية.
هل الحل إداري فقط؟
قد يبدو الحل تقنيًا: إعادة توزيع المهام، رقمنة الخدمات، تقليص العمالة الزائدة. لكن الأزمة أعمق من ذلك. هي أزمة تصور عن معنى العمل ودوره في حياة الإنسان.
هل هو مجرد وسيلة للراتب؟
أم مساحة للإبداع والمساهمة؟
من دون إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والعمل، ستبقى البطالة المقنّعة تتجدد بأشكال مختلفة، حتى لو تغيرت الهياكل الإدارية.
البطالة المقنّعة ليست رقمًا في تقرير اقتصادي، بل قصة إنسان يقضي سنوات من عمره في انتظار لا ينتهي. هي مكاتب ممتلئة… وأدوار فارغة. حضور يومي… وغياب للأثر.
ومعالجة هذا “المرض الصامت” تتطلب شجاعة سياسية، ورؤية اقتصادية، واعترافًا إنسانيًا بأن الكرامة المهنية لا تقل أهمية عن الراتب الشهري

