هبه وصفي تكتب_
في قريةٍ بعيدة عن خرائط الاستثمار، يجلس طفلٌ على أرض فصلٍ تتشقق جدرانه، يمسك بقطعة طباشير ويكتب اسمه ببطءٍ وتركيز. لا يملك مقعدًا سليمًا، ولا شاشةً ذكية، لكنّه يملك شيئًا آخر: إرادةً خامًا تقاوم اليأس. في هذه الأماكن التي سقطت من ذاكرة التخطيط العمراني والاهتمام السياسي، يصبح الذهاب إلى المدرسة فعلًا يوميًا من أفعال الصمود.
ليست المشكلة هنا نقصًا في الكتب فحسب، بل شعورًا متراكمًا بالإقصاء. حين يرى طفلٌ في قرية نائية أقرانه في المدن يتعلمون عبر أجهزة لوحية ومنصات تفاعلية، بينما يفتقر هو إلى سبورةٍ ثابتة، يتشكل داخله إحساسٌ مبكر بعدم العدالة. الفقر لا يسرق الحاضر فقط؛ بل يهدد باختطاف المستقبل عبر تسربٍ مدرسيٍّ قسري بحثًا عن لقمة العيش.
وفق تقارير UNESCO، لا يزال ملايين الأطفال حول العالم خارج المدرسة، مع تركزٍ أكبر في المناطق الريفية والمهمشة. كما تشير بيانات UNICEF إلى أن الفجوة التعليمية بين الريف والحضر تتسع عندما تتقاطع مع الفقر وضعف البنية التحتية. أما World Bank فيحذر من “فقر التعلّم”، حيث يمرّ الأطفال بالمدرسة دون اكتساب المهارات الأساسية، وهو خطرٌ مضاعف في البيئات الأشد هشاشة.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تنقل دفء القصص. تقول المعلمة أمل (اسم مستعار)، التي تقطع يوميًا سبعة كيلومترات سيرًا للوصول إلى مدرسة ريفية:
“نبدأ الحصة أحيانًا دون كهرباء. أطلب من الأطفال أن يقتربوا من النوافذ لنستغل ضوء الشمس. حين يكتب أحدهم جملة صحيحة، أشعر أننا انتصرنا على العالم”.
يرى الباحث في سياسات التعليم د. سامي بن راشد أن القضية “ليست تقنية بحتة”:
“حين تغيب المدرسة الجيدة عن حيٍّ أو قرية، لا تغيب المعرفة فقط؛ يغيب الشعور بالانتماء. التعليم هو أول اختبار لعدالة الدولة”.
في المناطق المهمشة، يصبح التسرب الدراسي مسارًا شبه محتوم. الأسرة التي تعيش تحت ضغط الحاجة قد ترى في عمل الطفل مساهمة ضرورية. هنا يتقاطع التعليم مع الاقتصاد المحلي، ومع شبكات الأمان الاجتماعي. كل غيابٍ طويل قد يتحول إلى انسحابٍ دائم.
الفجوة الرقمية… طبقة جديدة من التفاوت
أضافت السنوات الأخيرة طبقةً جديدة من اللامساواة: الفجوة الرقمية. بينما ازدهرت منصات التعليم عن بُعد في المدن، ظل كثير من الأطفال في القرى بلا إنترنت مستقر أو أجهزة مناسبة. تشير دراسات إلى أن غياب الوصول الرقمي يعمّق الفجوة في التحصيل، ويؤثر في الثقة بالنفس والطموح.
المهندس كريم يوسف، المتخصص في تقنيات التعليم، يوضح:
“التكنولوجيا يمكن أن تكون جسرًا، لكنها تتحول إلى جدار إذا لم تُصمم سياساتها على أساس الإنصاف. توزيع الأجهزة دون تدريبٍ ودعمٍ مستدام لا يحل المشكلة”.
مبادرات تنبت من الهامش
رغم الصورة القاسية، تنبت مبادرات مجتمعية تُعيد تعريف الأمل. في إحدى القرى، تبرع الأهالي بمواد بناء لترميم سقف مدرسة. في أخرى، حوّل معلمون بيوتهم إلى فصول تطوعية بعد انتهاء الدوام. هذه المبادرات لا تعوّض مسؤولية الدولة، لكنها تُظهر أن التعليم في هذه البقاع “طوق النجاة” الأخير.
تقول الطالبة سارة (14 عامًا):
“أريد أن أصبح طبيبة لأعود إلى قريتي. المدرسة هي المكان الوحيد الذي أشعر فيه أن لي مستقبلًا”.
ماذا نحتاج؟
- بنية تحتية عادلة: مدارس آمنة، مرافق أساسية، نقل مدرسي يختصر المسافات.
- تحفيز المعلمين: دعم مادي ومعنوي لمن يعملون في البيئات الصعبة.
- جسر الفجوة الرقمية: إنترنت مدعوم، أجهزة مُدارة، تدريب مستمر.
- شبكات أمان اجتماعي: برامج تحفيز للأسر تُبقي الأطفال داخل المدرسة.
- مساءلة وشفافية: بيانات محلية دقيقة ترصد التسرب والتحصيل وتوجّه القرار.
ففي الأماكن التي تُنسى سريعًا، يصبح كل يوم دراسي انتصارًا صغيرًا للعدالة. التعليم ليس صفًا وكتابًا فقط؛ هو وعدٌ بكسر دائرة الفقر التي تورّث من جيل إلى جيل. كل طفل نُبقيه داخل المدرسة هو خطوة نحو مستقبلٍ أكثر إنصافًا—ليس له وحده، بل لمجتمعه كله.

