
هبه وصفي تكتب:
في آلاف البيوت العربية، هناك بطلة لا ترتدي رداء الخارقين، بل ترتدي ثوب الصبر اليومي. لا تصعد المنصات، ولا تُذكر أسماؤها في نشرات الأخبار، لكنها تقف كل صباح في مواجهة العالم، وفي يدها ميزانية بيت لا تحتمل الخطأ.
المرأة المعيلة ليست حالة استثنائية عابرة، بل واقع اجتماعي يتسع عامًا بعد عام. أرملة فقدت سندها، مطلقة وجدت نفسها وحيدة أمام التزامات الحياة، أو زوجة لرجل عاجز عن العمل. في كل هذه الحالات، لا يكون السؤال: هل تستطيع؟ بل: كيف ستفعل ذلك وحدها؟
مواجهة “غول” المصاريف
في زمن تتسارع فيه الأسعار، وتضيق فيه فرص العمل المستقر، تتحول المصاريف إلى كائن يومي يطاردها:
إيجار، مدارس، علاج، طعام، فواتير لا تنتظر نهاية الشهر. هي لا تعيل أسرة فقط، بل تحميها من السقوط. وجودها ليس دورًا اقتصاديًا فحسب، بل صمام أمان نفسي لأطفال قد يفقدون الثقة بالعالم لو فقدوا استقرار البيت.
العمل في الظل
معظم النساء المعيلات يعملن خارج المظلة الرسمية. حرف يدوية، بيع بسيط في الأسواق، طهي منزلي، أعمال تنظيف، أو مشروعات صغيرة غير مسجلة. وظائف بلا تأمين صحي، بلا معاش تقاعدي، وبلا شبكة أمان تحميهن إذا مرضن أو تعثرت أعمالهن. الاقتصاد غير المهيكل يمنحهن فرصة للبقاء، لكنه لا يمنحهن الأمان.

لا تواجه المرأة المعيلة ضيق ذات اليد فقط، بل تواجه أحيانًا نظرة اجتماعية لا تزال تسأل:
لماذا تعمل؟
كيف تدير حياتها؟
من يساعدها؟
بدل أن تُقابل بالدعم، تجد نفسها في مواجهة أحكام مسبقة، أو تعقيدات قانونية لا تعترف بواقعها المتزايد. في بعض القوانين، لا تزال تُعامل كحالة “استثنائية”، بينما هي في الحقيقة عمود تعتمد عليه أسر كثيرة.
الأثر الإنساني العميق
خلف كل قصة امرأة معيلة، هناك طفل يدرس في ضوء محدود لكنه يشعر بالأمان. هناك بيت قديم لم يسقط لأن يدًا واحدة أمسكت به بقوة. هناك مجتمع لم ينهَر بالكامل لأن آلاف النساء قررن ألا ينهَر داخلهن شيء. هذه المرأة لا تطلب امتيازًا، بل اعترافًا. دعمها ليس إحسانًا، بل استثمار في استقرار المجتمع ذاته.
ما الذي نحتاجه؟
• سياسات تأمين اجتماعي مرنة تشمل العاملات في القطاع غير الرسمي.
• تسهيلات قانونية لتقنين المشروعات الصغيرة.
• برامج تدريب حقيقية تمنح المرأة المعيلة فرصة للانتقال من الكفاف إلى الاستقرار.
• تغيير ثقافي يرى في عملها قوة لا اضطرارًا.

“الأمان” في زمن القلق
فعندما يشتد برد الحاجة، تكون هي الغطاء. حين يضيق الأفق، تكون هي الجدار الأخير قبل السقوط. المرأة المعيلة ليست قصة شفقة، بل قصة قوة هادئة. هي الأمان الذي يغلف قلوب الصغار، وهي الحارس الصامت لتماسك النسيج الاجتماعي العربي. وحين ننظر إلى مستقبل أكثر عدلًا، علينا أن نبدأ بالاعتراف بمن حافظن على الحاضر في أصعب لحظاته.

