هبه وصفي تكتب:
أطفال “بدون” أب وأم ألقى بهم القدر فى الطرقات جناة أم مجنى عليهم، فقد انتشرت ظاهرة أطفال الشوارع بصورة غير طبيعية أطفال الشوارع من كل حدب وصوب لمحافظات مصر وهى الظاهرة التي لم تكن موجودة قبل ذلك على الإطلاق.
ورصد “مانشيت” هؤلاء الأطفال في جو يسوده الحذر والقلق أكثر من التعاطف أو الشفقة لأنه متوقع منهم الغدر بأى مواطن لا يرتدى ثيابهم أو يتعامل بأسلوبهم، ولكن المفاجأة أنه بمجرد التفكير أن تقترب منهم أو تدلف إلى عالمهم يستوجب عليك الاستئذان من “أباداى” المنطقه فكل منطقه لها “أباداى” أما يكون رجل أو أمرأه وهو له دور هام فى توزيع أماكن المتسوليين والحفاظ على خصوصيتهم وحمايتهم مقابل ذلك يحصل على جزء من الأيراد منهم يوميا أما بالرضا أو الغصب، وهو من يسمح لك بالدخول أو الحديث إليهم وإلا ستكون فريسة وصيد ثمين وأحد المعتدى عليهم وعليك أن تتحمل جراء اقتحامك عالمهم الخاص جدا.
تجدهم أمام أبواب المساجد أمام محال الحلوى والمخابز والمطاعم الكبرى وفى أشارات المرور والمصالح الحكوميه منذ الصباح الباكر أو عند الظهيره تزامنا مع خروج الناس من أعمالهم، الأناث منهم يرتدون السواد أو النقاب ويحلو لهن الجلوس أرضا وترك أطفالهن يلعبون بجانبهن والذكور يرتدون ملابس مهلله متسخه، ويمسكون بملفات طبية وأوراق معاناتهن أو معاناة أزواجهن أو أطفالهن بمرض مزمن، لا يعرفن لغة إلا الاستجداء وأكتساب العطف بشتى العبارات والوسائل للحصول على الجنيهات.
أوراق محترقة: قصص الهروب من جحيم الملاجئ إلى رصيف “الاستجداء”.
هؤلاء الفئه من أناس الشوارع أطفال أو شباب أو مسنين يفتقرون دوما الحمايه الإجتماعيه ويتعرضون دوما للعنف الجسدى والجنسى فضلا عن أتخاذ البعض منهم التسول ستارا لأعمالهم الإجراميه مثل السرقه وتجارة المخدرات وخطف الأطفال.
يقول أحمد 13 سنه، الذى رفض أن يفصح عن هويته أنا كنت فى ملجأ فى القاهره وهربت منه بعدما تعرضت للأعتداء الجنسى من زملائى عدة مرات فقررت أن أكون فى الشارع، مستطردا واحد كبير قابلنى فى أشارة أدانى فوطه صفراء وقالى أوعى تفرط فيها طول ماهى معاك هتاكل عيش وماحدش هيقرب لك، معقبا بنام فى أى حته الأرصفه كثيره والشوارع واسعه والناس الطيبين كتير بيساعدونى.
وقابلنا الحاجه زينب 55 سنه، تجلس بشارع طرح البحر وما يلفت الأنتباه جرح كبير فى وجهها أطاح بجزء من أذنها، التى أوضحت الأمر “صابرين معلمة المنطقه هى اللى علمتنى فى وشى”، فى يوم باغتتنى لتأخذ الأيراد وكنت لسه ما أستفتحتش قلتها ماعيش ولا مليم فشت وشى بالمطواه، وتوجهت لقسم شرطة العرب لتحرير محضر ضدها هما فى القسم عارفينها، مستطردة أرملة ولدى أبنتان زوجت أبنتى وهما يعملان فى أحد المصانع وأنا أقيم فى شقه مفروشه لوحدى وأدينى ببيع مناديل وأهل الخير كتير ربنا ما بينساش حد.
صرخة صامتة: عندما يصبح “صندوق القمامة” مأدبة وسكناً.
يقول رمضان خليل 12 سنوات، أقوم بجمع البلاستيك من القمامة وأبيعه لأتحصل على 100 أو 200 جنيه في اليوم، على حسب نوع القمامة، تركت المدرسة فى الصف الثانى الإبتدائى لأن والدى لا يستطيع الإنفاق على دراستى وهربت من المنزل وبحثت عن عمل لأننى لا أحب التسول من الأخرين، معقبا ليس لنا مأوى سوى القمامه، ولكنى أستحق أنا وأصحابى أن نعيش حياة أفضل وأن يكون لنا منزل ونتعلم ونأكل أكل نظيف ونلبس ملابس جديده.
ويضيف محمد شعبان الشهير بـ”تيتو” 17 سنوات، أتيت من محافظة الشرقية وتركت أسرتى، وبعد وفاة والدى، والدتى تزوجت من رجل آخر رفض وجودى في البيت، فخرجت من المنزل وقررت العمل لإرسال نفقات أخوتى البنات إلى زوج والدتى “بدل ما يطردهم من البيت دول بنات هيتبهدلوا فى الشارع”، مؤكدا أنه ترك المنزل وهو عمره 6 سنوات واستقر به الحال في مقلب الزبالة لجمع القمامة أو الوقوف في إشارات المرور لمسح السيارات.
ويعقب “تيتو” والدموع تغمر عينيه “أقولك حاجة أحنا نفسنا نحس إننا بنى آدمين، يعنى الناس اللى متعلمين اللى زيك ما يخافوش مننا ويدونا أكل نضيف من بتاعهم بدل ما بناكل من صناديق الزبالة”
أما شروق 25 سنه، لاعرف طريق لكسب قوتها سوى التسول والتى رفضت الحديث قبل الحصول على 200 جنيه بقولها ” يا أبله لسه ما أستفتحتش” ترتدى عباءه سوداء وحذاء لابأس به، وتحتضن طفل لا يتجاوز العاميين، الأمر الذى يستدر تعاطف الماره والمبتاعيين من محل الحلوى الذى تجلس أمامه، تقول هناك عائلات توافق على اصطحاب أبنائها في عملية التسول مقابل بضعة جنيهات تصل إلى 100 جنيه يوميا، أنا لا أعرف شئ سوى التسول فوالدتى كانت تصطحبنى معها فى “المعديه” منذ طفولتى إلى أن توفاها الله وسلكت الطريق بمفردى أعيش مع والدى وأشقائى الأربعه وجميعنا لا نعرف سوى التسول، مستكملة بمنتهى اللامبالاه تعرضت لاعتداء جنسى من قبل مجموعة من الشباب ولم أجد من يحمينى ونتج عنه حمل وقمت بإجهاض نفسى “الغلبان مالهوش مكان يعيش فيه”.
والتقط أطراف الحديث طفل آخر أصغر سنًا يدعى”الكن” 8 سنوات وقال بحدة: “الناس بتخاف مننا وبيفكرونا بلطجيه أو نشالين، بس إحنا مش بلطجية أحنا مالناش مكان غير الشارع”، وأطبق صمتا مكتفيا بنظرة غضب من عيون يغمرها الحزن والدموع، ممتنعا عن الإجابه على أية أسئلة.
القنبلة الموقوتة: رؤية نفسية لدمج “مواطني الدرجة الثانية”.
ومن ناحيتها قالت الدكتورة فاتن السيد أستاذ علم النفس بجامعة بورسعيد، أنه لابد من إيجاد الحلول الإيجابيه للقضاء على أزمة أطفال الشوارع فهؤلاء يعتبرهم البعض بصورة أو بأخرى أنهم مواطنين من الدرجة الثانية وعلى الأرجح أنهم لا يحملون بطاقة رقم قومى أو شهادة ميلاد أو منهم من ترك أسرته وفر هربا أثر العنف الأسرى وتدنى مستوى الرعايه الإجتماعيه أو حدوث الطلاق بين الأب والأم ووجود زوجة أب أو زوج أم يرفض وجودهم.
وتابعت السيد، أن أزمة أطفال الشوارع تمثل قنبلة موقوتة قد تنفجر بأى شكل من الأشكال لتضر بالمجتمع بأسره وعلينا جميعنا أن نتحمل المسؤلية تجاههم لنخلق منهم مواطنين صالحيين، فهم يتعرضون بشكل يومى ومستمر للمخاطر الصحيه والنفسيه فضلا عن إستغلالهم من قبل الخارجيين عن القانون لانهم يفتقرون لحمايه الغجتماعية.
ولابد من توفير دور للرعايه الإجتماعيه والنفسيه والصحيه لهؤلاء وتعليمهم بعض الحرف اليدويه التى تعينهم على أن يسلكوا مسلكا سويا فى الحياه، مع دعم شعورهم بالحريه وخلق أحساس الأمان لديهم بالمجتمع والشارع وتوفير إحتياجاتهم الأساسيه ودمجهم فى المجتمع وتنمية الثقه لديهم فى الأخرين.
الجانب القانوني (ثغرة الإفلات من العقاب):
“رغم أن القانون المصري يجرم استغلال الأطفال في التسول، إلا أن هؤلاء الصغار يقعون في فخ “التوصيف القانوني”؛ فهم في نظر القانون (معرضون للخطر) وليسوا (مجرمين)، لكن غياب دور الرعاية المؤهلة يجعل من القبض عليهم مجرد “جولة مؤقتة” يعودون بعدها إلى قبضة (الأباداي) الذي ينتظرهم على ناصية الشارع.”
التحليل الاقتصادي (بيزنس الرصيف):
“تحول هؤلاء الأطفال من حالات إنسانية إلى (تروس) في ماكينة اقتصادية غير رسمية، حيث تُشير التقديرات إلى أن الطفل الواحد قد يجمع مبلغاً يفوق دخل موظف متوسط، لكنه في النهاية لا يحصل إلا على الفتات، بينما تذهب (الغنائم) لزعماء العصابات الذين يديرون مناطق النفوذ في شارع طرح البحر وغيره.”
نداء للمجتمع المدني:
“المسألة تتجاوز (جنيهات التعاطف) التي يلقيها المارة؛ فالتعاطف العشوائي يغذي استمرار الظاهرة ويمد (الأباداي) بالقوة. الحل يبدأ من “منظومة بلاغ” قوية وجمعيات أهلية تنزل إلى العمق، لا تنتظر خلف المكاتب.”

