كتبت: هبه وصفي
نقد هادئ لدور مهني معقّد… عن دور الإعلام وحدوده.
هل الإعلام مرآة تعكس ما يحدث، أم أداة تشارك في تشكيله؟
السؤال قديم، لكنه اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
في عالم يتدفّق فيه الخبر لحظة بلحظة، لم يعد دور الإعلام مقتصرًا على النقل، بل أصبح جزءًا من المعادلة التي تُنتج الواقع كما نراه.
في جوهر العمل الصحفي، هناك فرق دقيق بين التغطية والتأثير. التغطية تعني أن ننقل الحدث كما هو، أما التأثير فيبدأ حين نختار زاوية بعينها، ونقدّم سياقًا دون غيره، ونمنح مساحة لصوت، ونحجب أصواتًا أخرى.
هذا الاختيار ليس دائمًا مؤامرة، بل هو جزء طبيعي من عملية التحرير. لكن المشكلة تبدأ حين لا نعود واعين بهذه الاختيارات، أو حين تُقدَّم بوصفها “الواقع الكامل”، لا قراءة ممكنة من بين قراءات عديدة.
مع الوقت، لا يكتفي الإعلام بنقل الأحداث، بل يشارك في صناعة السرديات. سرديات عن الخير والشر، عن الضحية والمذنب، عن ما يستحق التعاطف وما يُترك على الهامش. هذه السرديات لا تُخلق فجأة، بل تتراكم عبر اللغة، والتكرار، واختيار الصور، والعناوين، والخبراء.
في هذا السياق، تصبح الحدود الأخلاقية أكثر هشاشة. متى يكون التبسيط ضرورة مهنية، ومتى يتحول إلى تشويه؟
متى يخدم الاختصار الفهم، ومتى يختزل الواقع إلى حد يفقده معناه؟ الخط الفاصل هنا رفيع، وغالبًا ما يُختبر تحت ضغط السرعة والمنافسة.
دور الصحفي، في هذا المشهد، لم يعد سهلًا. هو مطالب بأن يكون سريعًا دون أن يكون سطحيًا، واضحًا دون أن يكون مخلًا، وحاضرًا دون أن يتحول إلى جزء من الضجيج الذي ينقله. الصحفي الجيد لا يدّعي الحياد المطلق،
لكنه يعترف بموقعه، ويبذل جهدًا واعيًا لتقليل انحيازاته، لا لتجاهلها.
المشكلة لا تكمن في أن الإعلام يؤثر — فهذا أمر لا مفر منه. المشكلة حين يتظاهر بعدم التأثير، وحين يقدّم نفسه بوصفه ناقلًا بريئًا، بينما هو، في الواقع، طرف في تشكيل الصورة العامة.
إعلام بلا أوهام، هو إعلام يعترف بحدوده، ويكشف آلياته، ويمنح الجمهور أدوات الفهم بدل الاكتفاء بالمعلومة. هو إعلام لا يعد بحقيقة مطلقة،
بل يفتح باب التساؤل، ويترك مساحة للشك الصحي.
بين نقل الواقع وصناعته، تقف الصحافة عند مفترق دقيق. والاختيار، في النهاية، ليس بين مرآة أو أداة، بل بين مهنة واعية بدورها، وأخرى تنسى أنها تشارك — شاءت أم أبت — في صناعة ما نراه ونصدّقه.

