هبه وصفي تكتب:
بينما تغرق غرف الأخبار العربية في ضجيج “الترند” وتسابُق الثواني، يبرز مشهدٌ سريالي: صحفي يجلس أمام شاشته، لا يصارع “قفلة الكاتب” كما في السابق، بل يراقب خوارزميةً تولّد له هيكل تقريره في أجزاء من الثانية. هذا التداخل بين “النبض” و”الكود” ليس مجرد تحديث تقني، بل هو إعادة تعريف للهوية الصحفية في العصر الرقمي.
بين ميكانيكا البيانات وروح الحكاية
يقف الإعلامي العربي اليوم في منطقة رمادية، مزيج من الانبهار بقدرة الآلة وقلق مشروع على مستقبله المهني. الذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد مجرد “مساعد إداري”، بل بات “محرراً” يمتلك القدرة على:
• صياغة التقارير الإخبارية العاجلة بناءً على البيانات الخام.
• مونتاج مقاطع الفيديو القصيرة بما يتناسب مع خوارزميات “تيك توك” و”إنستغرام”.
• التنبؤ باهتمامات الجمهور وتوجيه المحتوى لضمان أعلى نسب مشاهدة.
لكن، هنا يبرز السؤال الأخلاقي والجوهري: هل يمتلك الكود “غصة” الصحفي وهو يغطي آثار دمار في زقاق عربي قديم؟ وهل تستطيع “البيانات الضخمة” أن تشعر بنشوة الأمل في عيني بطل رياضي كافح من العدم؟ الإجابة تكمن في أن الآلة تحاكي العاطفة لكنها لا تعيشها؛ هي تقدم “نموذجاً” للحزن، لكنها لا تدرك مرارة الفقد.
لغة الأرقام: ثورة لا تنتظر أحداً
تشير الإحصائيات العالمية والمحلية إلى تحول جذري في بيئة العمل الإعلامي:
بين الوفرة العالمية والتوجس العربي: فجوة “الرقمنة”
عند وضع هذه الإحصائيات في سياق المقارنة، نجد أن غرف الأخبار العالمية (خاصة في أوروبا والولايات المتحدة) قد تجاوزت مرحلة “التجريب” إلى مرحلة “الاعتماد الكلي”؛ حيث تُشير التقارير إلى أن 70% من المؤسسات الإعلامية الكبرى هناك تمتلك بالفعل سياسات واضحة لدمج الذكاء الاصطناعي في إنتاجها اليومي، مستفيدةً من وفرة الموارد التقنية وتدفق البيانات الضخمة باللغات الأجنبية.
أما على الصعيد العربي، فالمشهد يبدو مختلفاً؛ فرغم القفزات النوعية في بعض المؤسسات الرائدة بـ (الخليج ومصر)، إلا أن نسبة الاعتماد الكلي لا تزال تراوح مكانها دون الـ 35% في عموم المنطقة. هذه الفجوة لا تعود فقط إلى “عائق الميزانيات”، بل إلى تحديات هيكلية تتعلق بـ “لغة الضاد” وتعقيداتها التي لا تزال بعض الخوارزميات تكافح لفهم سياقاتها الثقافية العميقة.
المستقبل ينتمي للإعلامي “الهجين”:
وبينما يتجه العالم نحو “أتمتة” التحقق من الأخبار بنسبة تفوق الـ 75%، يظل الصحفي العربي يعتمد بنسبة كبيرة على الجهد اليدوي والحدس الشخصي، وهو ما يخلق “ثغرة رقمية” قد تُستغل في نشر المعلومات المضللة. ومع ذلك، يبرز التفاؤل في جيل الشباب من الإعلاميين العرب الذين بدأوا في ردم هذه الفجوة بجهود ذاتية، محولين القلق من “الآلة” إلى شغف بامتلاك أدواتها، سعياً للوصول إلى صحافة عربية “هجينة” تجمع بين دقة الخوارزمية وعمق الهوية.
“المستقبل ليس لمن يصارع الآلة، بل لمن يركب موجتها دون أن يغرق في بحرها التقني.”
التحدي الحقيقي الذي يواجهنا ليس “المنافسة” مع الذكاء الاصطناعي، بل في كيفية “التكامل” معه. إن الآلة هنا لترفع عن كاهل الصحفي الأعمال الشاقة والمملة؛ تحليل آلاف الوثائق، ترجمة اللغات فورياً، وتنظيم الأرشيف المبعثر.
هذا التحول يمنح الصحفي أثمن ما يملك: الوقت. وقتٌ ليكون “إنساناً” أكثر، ليبحث في الزوايا التي تتجاهلها الخوارزميات، ليجري مقابلات تعتمد على لغة العيون وليس فقط الأسئلة الجاهزة، وليكتب بقلبٍ يرى ما خلف الأرقام.
مهارات المبرمج: يفهم منطق البيانات وكيفية التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي.
انحياز الإنسان: يحتفظ بفضوله الفطري وبوصلته الأخلاقية التي تنحاز للحق والجمال والعدالة.
في نهاية المطاف، سيظل الذكاء الاصطناعي “مرآة” تعكس ما نلقنه إياها، لكنه لن يكون أبداً “الضوء” الذي يكشف خفايا النفس البشرية. الصحافة كانت وستظل فن رصد “الإنسان”، وهذا النبض هو الحصن الأخير الذي لن تقتحمه الأكواد مهما بلغت دقتها.
