
هبه وصفي تكتب:
بين صخب الصفقات الكبرى وتحديات الاستدامة.. هل نملك مشروعاً حقيقياً؟
في غضون سنوات قليلة، تحولت المنطقة العربية من “متابع” للرياضة العالمية إلى “لاعب محرك” لخيوطها. ملاعب عالمية تحاكي الخيال، استثمارات تكسر الأرقام القياسية، وأسماء لامعة كانت بالأمس القريب أحلاماً على شاشات التلفاز، باتت اليوم تركض على عشب الملاعب العربية.
ولكن، خلف هذا البريق والوميض الإعلامي، يبرز تساؤل إنساني ورياضي ملحّ: هل نحن بصدد بناء “صناعة” دائمة، أم مجرد “لحظة” تاريخية عابرة؟
طموح يتجاوز الحدود: لغة الأرقام تتحدث
لا يمكن لأحد إنكار الطفرة الهائلة؛ فالمؤشرات الحالية تعكس رغبة سياسية ورياضية جامحة لوضع العرب على الخريطة الدولية. ويتمثل هذا الطموح في:
• بنية تحتية مبهرة: استادات حديثة لم تعد مجرد ملاعب، بل تحفاً معمارية ومراكز جذب سياحي.
• عقود فلكية: استقطاب صفوة لاعبي العالم (رونالدو، نيمار، بنزيما وغيرهم) لم يعد مجرد استعراض قوة، بل محاولة لرفع القيمة السوقية للمسابقات المحلية.
• حضور إعلامي: باتت الدوريات العربية تُبث في قارات العالم الخمس، مما خلق حالة من “الاحتراف الصوري” المتكامل.
الاحتراف ليس “شيكاً” مفتوحاً.. إنه أسلوب حياة
يرى خبراء ومحللون أن الفجوة بين الاحتراف العالمي والواقع المحلي تكمن في “العقلية” لا في “الميزانية”. فالاحتراف الحقيقي ليس صفقة تُوقع في فندق فاخر، بل هو منظومة تبدأ من:
تطوير الفئات السنية: الاستثمار في “الطفل الموهوب” هو الضمان الوحيد لاستدامة المشروع.
الحوكمة الإدارية: غياب الاستقرار الإداري في بعض الأندية العربية يهدد بانهيار المشاريع بمجرد رحيل الداعم أو المسؤول.
صناعة الموهبة المحلية: التحدي الحقيقي ليس في جلب نجم عالمي ليقضي موسمين، بل في أن تخرج الأكاديميات العربية لاعباً قادراً على الاحتراف في أقوى دوريات أوروبا.

“المشكلة ليست في الملاعب، بل في الثقافة. الاحتراف يبدأ من المدرسة والأكاديمية، لا من المدرج وصيحات الجماهير.” – مقتبس من آراء فنية حول الواقع الرياضي.
البنية أم الثقافة؟ معضلة الصبر المؤسسي
يُجمع المتابعون على أن الرياضة العربية تملك “الإمكانات”، لكنها تفتقر أحياناً إلى “الصبر المؤسسي”. فالجمهور والإعلام يطالبون بنتائج فورية (رد الفعل)، بينما النجاح العالمي يتطلب (استراتيجية طويلة الأمد).
الاحتراف لا يعني فقط أن يتقاضى اللاعب راتباً احترافياً، بل أن يلتزم بنظام غذائي، وتدريبي، وسلوكي صارم منذ سن العاشرة. وهنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من عقلية “الموسم الاستثنائي” إلى “خطة العقد الكامل”.
الطريق إلى العالمية: من رد الفعل إلى المشروع
لكي لا يتبخر هذا الزخم، يجب أن تتحول الاستثمارات الحالية إلى “وقود” لمحرك إنتاج محلي. الطريق نحو مشروع رياضي مستدام يتطلب:
• الاستثمار في الإنسان: تحويل المدرب والإداري والمسعف المحلي إلى كوادر بمقاييس عالمية.
• الاستقرار التشريعي: قوانين تحمي الاستثمار الرياضي وتجعله قطاعاً ربحياً بعيداً عن الدعم الحكومي المباشر الدائم.
• الصبر: الإدراك بأن بناء “إرث رياضي” يستغرق سنوات، تماماً كما استغرق بناء الدوريات الأوروبية الكبرى عقوداً.
الرياضة العربية اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي. الإمكانات متوفرة، والرؤية واضحة، لكن يبقى السؤال المعلق في أذهان الجماهير: هل سنكتفي بدور “المستضيف والمستورد”، أم سنصبح “المصنع والمصدر” للإبداع الرياضي؟

