
هبه وصفي تكتب:
الوقاية قبل الفاجعة أهم استثمار بشري لا نراه؟ فمنع الكارثة أصعب من التعامل معها؟
في عالم الصحافة، القاعدة الذهبية هي أن “الخبر السيئ هو خبر جيد لنسب المشاهدة”. لذا، نادراً ما نرى عناوين تتحدث عن مبنى لم يحترق، أو جسر لم ينهار، أو طريق لم يشهد حادثاً اليوم. الحقيقة المجرّدة التي يعرفها خبراء السلامة هي أن أفضل طريقة لمواجهة الكوارث ليست في كفاءة التعامل معها بعد وقوعها، بل في منعها قبل أن تبدأ. الوقاية قد لا تصنع عناوين مثيرة في نشرات الأخبار، لكنها “البطولة الصامتة” التي تحفظ آلاف الأرواح كل يوم دون أن يشعر بها أحد.
ثقافة السلامة.. من “رد الفعل” إلى “التخطيط المسبق”
في كثير من المجتمعات، لا يزال مفهوم السلامة محصوراً في خانة “رد الفعل”؛ أي أن التحرك لا يبدأ إلا بعد وقوع الكارثة وجباية الثمن من الأرواح. لكن التجربة العالمية للدول التي نجحت في تقليل الحوادث تشير إلى أن النجاح يرتكز على مثلث ذهبي:
التوعية: تحويل السلامة من “تعليمات جافة” إلى ثقافة وقيمة إنسانية لدى الفرد.
التشريعات: قوانين صارمة لا تحابي أحداً، تضمن تطبيق معايير الأمان في كل منشأة وطريق.
التدريب: تحويل المعرفة إلى مهارة، بحيث يصبح التصرف الوقائي رد فعل تلقائي لدى الجميع.
الوعي المجتمعي.. إجراءات بسيطة ونتائج كبرى
ليست الوقاية دائماً مشاريع هندسية ضخمة أو ميزانيات مليارية. أحياناً، تكون الإجراءات البسيطة هي الحد الفاصل بين الحياة والموت. إن التزام السائق بقواعد المرور، أو احترام العامل لإجراءات السلامة في ورشته، أو حتى معرفة طالب مدرسي بكيفية استخدام مطفأة الحريق، هي “صمامات أمان” قادرة على منع وقوع كوارث وطنية. الوعي هو أن تدرك أن “ثواني التأخير” لربط حزام الأمان قد تعني “عقوداً من الحياة” المستمرة.
المسؤولية المشتركة.. لا أحد يعمل بمعزل
السلامة ليست مسؤولية جهة واحدة أو وزارة بعينها. إنها شبكة متكاملة من المسؤولية المشتركة:
• المؤسسات: بتوفير بيئة عمل آمنة وصيانة دورية للمعدات.
• السلطات: بالرقابة الدائمة وتحديث معايير السلامة بما يتوافق مع التطورات.
• المجتمع نفسه: بتبني الرقابة الذاتية والتبليغ عن المخاطر قبل أن تتحول إلى حوادث.
عندما يشعر كل فرد بأنه “خفير سلامة”، تتقلص فجوات الخطر إلى أدنى مستوياتها.
الفرق بين حادث وقع.. وآخر لم يحدث أبداً
الكارثة قد تقع في جزء من الثانية، لكن منعها يبدأ قبل ذلك بشهور وسنوات من التخطيط والالتزام. ربما لا نلاحظ قيمة الوقاية في روتيننا اليومي المعتاد، وربما لا نشكر أحداً لأننا وصلنا إلى منازلنا بسلام. لكن في الحقيقة، الوقاية هي الفرق الجوهري بين مأساة تدمّر عائلة، وحادثة “لم تحدث أبداً” بفضل وعي شخص

