داخل عالم الخوارزميات.. من يوجّه وعي الجيل الجديد؟
بينما تقرأ هذه الكلمات، تتسائل هل فعلاً تغيرت سلوكياتنا وعادتنا وهو ما يوضح لنا السوشيال ميديا وتأثيرها على المجتمع. هناك شاب في مقهى بـ “الدار البيضاء”، وفتاة تنتظر الحافلة في “عمان”، كلاهما لا ينظران إلى المارة، بل يحدقان في مستطيل صغير يضيء وجوههما بنور شاحب. هما ليسا مجرد مستخدمين، بل هما “مادة خام” لعملية إعادة تشكيل وعي كبرى تجري الآن في غرف الخوارزميات المظلمة. لقد انتقل العالم العربي من “الجلوس أمام الإعلام” إلى “العيش داخله”.
- فخ “السكولينج”: السوشيال ميديا وتاثيرها لتصبح الذاكرة بطول 15 ثانية
لم يعد الأمر يتعلق بمتابعة الأخبار، بل بإدمان “الدوبامين” السريع. الخوارزمية لا تعطيك ما تحتاجه، بل ما “يستفزك” لتبقى.
- “أشعر أن عقلي أصبح عبارة عن مقاطع متقطعة”، هكذا يصف أحمد (19 عاماً) حالته. “لا أستطيع قراءة كتاب لأكثر من عشر دقائق، لكنني أقضي ساعات في مشاهدة تحديات تافهة دون أن أشعر”.
- نحن أمام جيل يعاني من “تفتت الانتباه”. الخوارزمية تعيد برمجة الصبر، ليصبح أي شيء يتطلب جهداً ذهنياً طويلاً عبئاً ثقيلاً.
غرف الصدى: هل نحن أحرار أم مسجونون؟
الخوارزمية هي “مرآة مشوهة”؛ إذا أبديت إعجاباً برأي متطرف أو فكرة غريبة، ستحاصرك بعشرات المقاطع التي تؤكد نفس الفكرة، حتى تظن أن العالم كله يفكر مثلك. هذا ما يفسر قصة ياسين (18 عاماً) من الأردن، الذي وجد نفسه في صدام مع أصدقائه: “اكتشفت لاحقاً أن ما يظهر لي في (الفيد) كان موجهاً ليشحنني ضد الرأي الآخر. كنت أظن أنني أمتلك الحقيقة المطلقة، بينما كانت الخوارزمية تحبسني في زاوية واحدة من الحكاية”.
“الخوارزمية لا تفتح آفاقك، بل تبني حولك جداراً من المعتقدات المتشابهة، مما يقتل ملكة النقد ويخلق جيلاً يرفض الآخر.” وهذا يوضح لنا السوشيال ميديا وتأثيرها على المجتمع.
آراء من “الميدان”: من يمسك بالريموت كنترول؟
التقينا بخبراء يراقبون هذا التحول من زوايا مختلفة، فكانت استنتاجاتهم صادمة:
- اللايك كجرعة مخدرة: تقول د. ليلى المنصور (باحثة في السلوك الرقمي): “الشاب العربي يربط قيمته الذاتية بعدد التفاعلات. نحن أمام عملية (تكييف كلاسيكي) تجعل الهدوء عدواً يجب قتله بالشاشة”.
- تشظي الهوية: يرى د. سامي بن راشد (أستاذ علم الاجتماع): “الخطر هو ذوبان الهوية المحلية. الشاب يقلد نمط حياة لا يشبه بيئته، مما يخلق انفصاماً بين واقعه المعيش وما يراه في سناب شات”.
- الديكتاتورية الناعمة: يوضح المهندس كريم يوسف (خبير ذكاء اصطناعي): “الخوارزمية ليست محايدة؛ هي مصممة لزيادة وقت البقاء بأي ثمن، حتى لو كان الثمن تغذية الانقسامات الفكرية”
- في العالم الافتراضي، الجميع ناجح وجميل. هذا الضغط يولد شعوراً بالدونية. تحكي سارة (22 عاماً) من تونس: “كنت أقضي 6 ساعات في تصفح حسابات (البلوجرز). شعرت أن حياتي باهتة، حتى نسيت كيف أستمتع بقهوتي دون أن أصورها”.
رغم القتامة، الشاشة ليست شراً مطلقاً. فقد منحت صوتاً لمن لا صوت له، وكسرت احتكار الإعلام. نرى اليوم مبدعين صنعوا “اقتصاداً رقمياً” خاصاً بهم، وحولوا المنصات إلى ساحات للمبادرات الإنسانية ونشر الوعي بلمسة زر.
المعركة هي “معركة وعي”
في مجتمع السوشيال ميديا نحن لا نواجه مجرد تطبيقات، بل “هندسة اجتماعية” تعيد تعريف مفاهيم النجاح والحب والوطن. السوشيال ميديا وتأثيرها على المجتمع أصبح مثير للقلق بل الفزع فقد أصبحت “المربي الثالث”، ولكنه مربٍ بلا قلب.
هل من مخرج؟
المواجهة لا تبدأ بالحظر، بل بـ “الأنسنة الرقمية”:
1. إعادة إحياء ملكة النقد (لماذا ظهر لي هذا المنشور الآن؟).
2. إدراك أن الشاشة “نسخة منقحة” وليست الواقع.
3. تعليم الأجيال كيف يكونون “قادة” لهواتفهم لا “مقودين” بكود برمجي.
بقى السؤال حول السوشيال ميديا وتأثيرها معلقاً بين أصابع الجيل الجديد: هل ستظل تلك الشاشة نافذة يطلون منها على العالم، أم ستتحول إلى زنزانة اختيارية، قضبانها من “بكسلات” وأسلاكها من “خوارزميات”؟

