هبه وصفي_تكتب:
الجمود السياسي
لا تعيش المنطقة اليوم حالة حرب شاملة، ولا تنعم بسلام حقيقي. هي عالقة في مساحة رمادية، بين انفجارات متقطعة وهدوء هش، حيث لا تنتهي الصراعات، ولا تبدأ الحلول.
هذا التعليق المستمر للحسم صنع واقعًا غريبًا: أزمات لا تُحسم، ومسارات تفاوض لا تكتمل، وانتظار طويل لا يعرف الناس له نهاية.
خرائط الصراع في المنطقة باتت مألوفة أكثر مما ينبغي. نزاعات مفتوحة منذ سنوات، خطوط تماس تتحرك قليلًا ثم تعود، وجبهات تُدار بدرجات متفاوتة من السخونة، دون أن تصل إلى ذروة أو تسوية.
في هذا المشهد، لا يكون السؤال: أين تندلع الأزمة؟
بل: أي أزمة ستظل معلّقة أطول؟
استمرار الصراعات ليس صدفة. هناك أطراف تستفيد من بقاء الوضع على ما هو عليه: قوى محلية تعزّز نفوذها، أطراف إقليمية تساوم بالأزمات، وقوى دولية تدير النزاعات بدل إنهائها.
الجمود، في كثير من الأحيان، أقل تكلفة من الحل. الحل يحتاج تنازلات مؤلمة، أما بقاء الأزمة في حالة “لا حل ولا انفجار” فيخدم حسابات متعددة.
لكن هذا الجمود لا يمرّ بلا ثمن. المجتمعات هي التي تدفعه يوميًا: اقتصادات مُنهكة، خدمات متآكلة، أجيال نشأت في ظل عدم اليقين، وحياة معلّقة مثل السياسة تمامًا.
مع الوقت، يتحول الاستثناء إلى قاعدة. الطوارئ تصبح وضعًا دائمًا، والناس تتكيّف مع غياب الاستقرار كما لو كان قدرًا لا يُراجع.
في قلب هذه الصورة، يغيب التفكير في الحلول الجذرية. تُدار الأزمات لا تُفكّك، وتُؤجَّل الأسئلة الصعبة حول العدالة، والمشاركة، وبناء الدولة، لصالح حلول مؤقتة تُبقي التوازن هشًا.
المنطقة لا تعاني نقص المبادرات، بل تعاني فائض التأجيل. كل تسوية مؤجلة تخلق صراعًا أطول عمرًا، وكل انتظار بلا أفق يراكم الإحباط.
ثمن هذا الانتظار لا يُدفع دفعة واحدة، بل يُقتطع ببطء من حياة الناس. وحين تطول حالة “لا حرب ولا سلام”، يصبح الخطر الأكبر أن نعتادها… وأن نتوقف عن تخيّل نهاية مختلفة.

