انتهت مرحلة الصراعات الكبرى إذن؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فبينما تراجعت لغة المدافع، برزت “حروب الممرات” وصراعات النفوذ التكنولوجي والسيادة الرقمية. إن التحول نحو البراغماتية الكبرى لا يعني اختفاء الخصومات، بل يعني تغيير أدواتها؛ حيث أصبح كسب حصة في سوق الغاز أو تأمين عقد لربط سككي عابر للحدود يوازي في أهميته الاستراتيجية السيطرة على تلة عسكرية أو قاعدة جوية.
من “خنادق الرصاص” إلى “ضجيج الأسواق”
في أحد مقاهي القاهرة المزدحمة، يجلس “أبو محمود” يقلب صفحات جريدة إلكترونية، يقرأ عن “ممرات التجارة” و”الربط الكهربائي”. يبتسم بمرارة وهو ينظر إلى فاتورة الكهرباء في يده، ويتمتم: “نسمع عن مليارات الاستثمارات، لكن متى ستصل هذه المليارات إلى جيوبنا؟”.
هذا التساؤل يختصر الفجوة في شرق أوسط ما بعد 2025؛ المنطقة التي خلعت ثوب “حروب الوكالة” لترتدي بدلة “البراغماتية الاقتصادية”، لكنها لا تزال تبحث عن “الإنسان” في زحام الأرقام. في بيروت، تقول “ليلى”، وهي معلمة: “لم نعد نخاف من الانفجارات بقدر خوفنا من العجز عن شراء ربطة الخبز. السياسيون يتحدثون عن تحالفات طاقة، ونحن نعيش في ظلام دامس”.
تحديات الاستقرار الهش: “شرق أوسط بمسارين”
رغم التوجه نحو “تصفير” المشكلات، تظل هناك ملفات عالقة تعمل كألغام موقوتة:
• القضية الفلسطينية: تفرض نفسها دائماً كعامل لا يمكن تجاوزه في أي معادلة استقرار دائم.
• الفجوة التنموية: بدأت تظهر ملامح “شرق أوسط بمسارين”؛ دول تهرول نحو الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، ودول أخرى تكافح لتأمين الاحتياجات الأساسية، مما يولد موجات نزوح واضطرابات عابرة للحدود.
رأي الخبراء: يؤكد الاقتصادي سامر العلي أن “النجاح الحقيقي ليس في بناء أطول برج، بل في مدى قدرة هذه الثروات على خلق استقرار اجتماعي يحمي الطبقات الهشة”.
القوى الإقليمية: حسابات القوة وأوجاع الشعوب
بينما تحاول القوى الإقليمية صياغة “أمن ذاتي” بعيداً عن المظلات الدولية التقليدية، يظل المواطن هو “ترمومتر” النجاح الحقيقي:
• في إيران: يواجه المواطن تضخماً ينهش مدخراته رغم محاولات تثبيت النفوذ الإقليمي.
• في تركيا: نجاح دبلوماسي عالمي يصطدم بأنين الطبقة الوسطى وتآكل العملة.
• في الخليج: تحدي خلق نموذج تنموي شامل يفيض أثره على الجيران المتعبين.
اقتصاد الطاقة: هل يدفئ منازل الفقراء؟
الحديث عن “غاز شرق المتوسط” يبدو براقاً في العناوين، لكنه يثير تساؤلات حول العدالة التوزيعية. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الدول لربط الشبكات، لا تزال مخيمات النازحين في شمال سوريا واليمن تفتقر لأبسط وسائل التدفئة. تقول “أم سعيد”، نازحة يمنية: “يقولون إن هناك عهداً جديداً من السلام الاقتصادي.. نحن لا نريد قصوراً، نريد فقط ألا يموت أطفالنا من البرد”.
“الإنسان هو الضمانة الوحيدة”
إن شرق أوسط ما بعد 2025 لم يعد ساحة للآخرين، وهذه خطوة تاريخية. لقد بدأت المنطقة تكتب مسودتها الخاصة للمستقبل بلغة الأرقام والمصالح. ولكن، لكي تنجح هذه المسودة، يجب أن تُكتب بحبر الكرامة الإنسانية.
إن لغة الأرقام والممرات التجارية هي “الهيكل العظمي” للمنطقة، أما “الروح” فهي الإنسان الذي صمد في وجه الحروب، وينتظر اليوم أن يجني ثمار سلام طال انتظاره. البراغماتية الحقيقية هي التي تدرك أن استثماراً في “إنسان” واحد، يوازي في قيمته كل آبار الغاز في المتوسط.
المصادر المعتمدة في التقرير:
• بيانات البنك الدولي حول الفجوة التنموية (توقعات 2025-2026).
• تقارير منظمة العمل الدولية حول بطالة الشباب في دول النزاع.
• شهادات ميدانية ومقابلات حية من (العراق، لبنان، تركيا، وإيران).

