هبه وصفي_ تكتب:
الهجرة… حين يفقد البقاء معناه
حين يصبح الرحيل أسلوب حياة… قراءة إنسانية في ظاهرة عالمية…
لماذا لا تنتهي أزمة الهجرة؟
لأنها، ببساطة، لم تعد أزمة طارئة. ما نشهده اليوم ليس موجات عابرة، بل حركة بشرية مستمرة، تعكس اختلالات عميقة في العالم أكثر مما تعكس قرارات أفراد.
منذ سنوات، يتكرر المشهد نفسه: قوارب، حدود، مخيمات، وجدل سياسي لا ينتهي. ومع كل موجة جديدة، يُطرح السؤال ذاته، كأن الهجرة حدث مفاجئ، لا نتيجة مسار طويل من التراكمات.
الأسباب التي تدفع الناس إلى الرحيل لم تعد واحدة. اقتصاد ينهار أو لا يوفّر حدًا أدنى من الأمان، مناخ يغيّر شكل الحياة ويقضي على الزراعة والمياه، وصراعات لا تترك مجالًا للاختيار بين البقاء والرحيل.
هذه العوامل لا تعمل منفصلة، بل تتشابك. الفقر يغذّي الصراع، والصراع يسرّع الهجرة، والتغير المناخي يضغط على الجميع، خصوصًا الأضعف.
مع الوقت، تحوّلت الهجرة من قضية إنسانية إلى ملف سياسي بامتياز. تُستخدم في الحملات الانتخابية، وتُستدعى في خطاب الخوف، وتُختزل في أرقام وأمن وحدود، بينما يختفي الإنسان من قلب النقاش.
في الدول المستقبِلة، تُنظر إلى الهجرة غالبًا بوصفها عبئًا. عبئًا على الاقتصاد، وعلى الخدمات، وعلى الهوية أحيانًا. قلّما يُنظر إليها بوصفها نتيجة نظام عالمي غير متوازن، أو كقصة بشر يبحثون عن فرصة نجاة لا أكثر.
وسط هذا كله، يقف الإنسان بين الحدود. لا هو في وطن قادر على احتوائه، ولا هو مرحّب به بالكامل في المكان الذي وصل إليه. يعيش في حالة مؤقتة تطول، وفي انتظار يتحول إلى نمط حياة.
الهجرة، في جوهرها، ليست حركة من مكان إلى آخر فقط. هي انتقال من يقين إلى هشاشة، ومن انتماء واضح إلى هوية معلّقة. هي تجربة إنسانية قاسية، حتى عندما تنتهي بالوصول.
لهذا، لا يمكن فهم الهجرة بعيدًا عن صورتها الكبرى. هي مرآة عالم تتزايد فيه الفجوات: بين الشمال والجنوب، بين من يملك ومن لا يملك، وبين من يملك خيار البقاء ومن لا يملكه.
طالما بقي هذا العالم على حاله، ستبقى الهجرة عنوانًا لعصر كامل، لا مشكلة تُحلّ بالإجراءات وحدها، بل واقعًا يكشف كيف أصبح العالم أقل عدلًا… وأكثر حركة.

