
هبه وصفي تكتب:
حينما يظهر الإبداع كفعل مقاومة
في اللحظات التي يمر فيها العالم بأزمات طاحنة أو اضطرابات تعصف بالاستقرار، يبرز ظاهرة لافتة: يصبح الفن أكثر حضوراً وإلحاحاً. لوحات تظهر فجأة على جدران الشوارع الرمادية، أغانٍ تولد من رحم المعاناة لتعبر عن مزيج من الألم والأمل، ومسرحيات تحاول استيعاب عبثية ما يحدث. كأن الإبداع يحاول في هذه اللحظات أن يمنح البشر لغة جديدة، لغة تتجاوز الكلمات الجافة لفهم واقع معقد ومؤلم. فالفن، في جوهره، ليس مجرد ترف جمالي أو زينة للمناسبات السعيدة، بل هو طريقة إنسانية عميقة للتعبير عن التجربة المشتركة تحت الضغط.
الفن كمرآة تعكس الوجع الجماعي
عبر التاريخ، لم تكن التحولات الكبرى تمر دون أن تترك أثراً في ريشة فنان أو قلم شاعر. الحروب، الأزمات الاقتصادية، والتحولات السياسية كانت دوماً الوقود الذي يغذي المخيلة الإنسانية.
ذلك لأن الفنان يعيش الواقع بكل تقلباته تماماً مثل الآخرين، لكنه يمتلك القدرة على تحويل هذا الواقع إلى لغة مغايرة: لغة الصورة، أو الموسيقى، أو حركة الجسد على المسرح. الفن هنا لا ينقل الخبر، بل ينقل “أثر الخبر” في الروح الإنسانية، مما يجعله المرآة الأصدق للواقع في أوقات الزيف.
مساحة للتفكير في زمن القلق
في أوقات الاضطراب، يسود القلق ويبحث الناس عن “معنى” لما يحدث حولهم. وسط ضجيج الأخبار وتضارب التصريحات السياسية، يبرز الفن ليخلق مساحة من السكون والتأمل.
إن لوحة فنية، أو فيلماً سينمائياً، أو قصيدة محكمة، قد تطرح أسئلة وجودية وفلسفية لا تستطيع التحليلات السياسية الإجابة عنها. الفن لا يقدم إجابات قطعية، بل يفتح آفاقاً للتفكير، ويسمح للإنسان بأن يرى الأزمة من زاوية مختلفة، زاوية تجعل من المعاناة جزءاً من حكاية إنسانية كبرى ومستمرة.
الإبداع كوسيلة للبقاء (ضرورة لا خيار)
بالنسبة لكثير من المبدعين، لا يعد الفن في الأوقات الصعبة خياراً مهنياً، بل يصبح ضرورة بيولوجية ونفسية للبقاء.
إنه الوسيلة الوحيدة لفهم العالم والتعامل مع المشاعر المعقدة والمتضاربة التي تولدها الأزمات، مثل الخوف، الغضب، أو الفقد. عندما يعجز اللسان عن وصف حجم الكارثة، تتولى الموسيقى أو الألوان المهمة، محولةً الطاقة السلبية المحبوسة إلى عمل إبداعي يمنح صاحبه والمتلقي نوعاً من “التطهير النفسي” والقدرة على مواصلة الحياة.
الفن الذي يمنحنا الفهم
ربما لهذا السبب يظهر الفن بقوة مفرطة في أزمنة الاضطراب. إنه لا يقدم حلولاً اقتصادية أو خططاً عسكرية لإنهاء الأزمات، لكنه يمنح الإنسان شيئاً أكثر أهمية وجوهرية: القدرة على التعبير والفهم. الفن هو الصرخة التي تذكرنا بأننا ما زلنا بشراً، وأننا رغم كل الدمار، لا نزال قادرين على خلق الجمال من قلب الحطام.

