هبه وصفي تكتب:
حين تصمت الأرقام وتتحدث الهوية
في ذروة الأزمات الكبرى—سواء كانت هزات اقتصادية عنيفة، أو اضطرابات سياسية، أو حروباً—غالباً ما تتجه الأنظار نحو “غرف العمليات” التي تدير المال والسلاح والسياسة. وفي خضم هذا الضجيج، تُدفع الثقافة إلى زاوية “الكماليات” التي يمكن تأجيلها. لكن التاريخ والواقع يثبتان العكس تماماً؛ فالمجتمعات التي تنهار معنوياً تسقط حتى لو كانت تمتلك ترسانة من الذهب والسلاح. من هنا، يبرز دور الثقافة ليس كنشاط فكري عابر، بل كـ “خط دفاع استراتيجي” يحمي الروح الجماعية من التآكل ويمنع الانهيار المعنوي للمجتمع.
الثقافة والوعي (فلترة الواقع في زمن الزيف)
يرى الباحثون أن المجتمع الذي يمتلك بنية ثقافية صلبة يتمتع بما يسميه علماء الاجتماع “المناعة المعرفية”. في وقت الأزمات، تزداد الشائعات وتنتشر “الأخبار الزائفة”، وهنا تعمل الثقافة كفلتر طبيعي.
• التحليل في مواجهة الانفعال: تساعد القراءة العميقة والفنون الرصينة الأفراد على الانتقال من “رد الفعل العشوائي” إلى “الفعل الواعي”. الإنسان المثقف لا يكتفي بما يظهر على السطح، بل يبحث في السياقات التاريخية والجذور.
• رأي متخصص: يقول الدكتور زياد المنصور، أستاذ علم الاجتماع الثقافي: “الثقافة هي التي تمنح الإنسان ‘المسافة الضرورية’ بين الحدث وبين الاستجابة له. بدون ثقافة، يصبح المجتمع قطيعاً تحركه العاطفة اللحظية، أما بالثقافة، فيصبح كياناً يفكر في البدائل ويبحث عن الحلول المستدامة.”
الثقافة كلقاح ضد “الفيروسات” الفكرية والتطرف
تثبت الدراسات الأمنية والاجتماعية أن البيئات التي تعاني من “فقر دم ثقافي” هي الأكثر عرضة لنمو الأفكار المتطرفة والانغلاق.
• كسر القوالب النمطية: الفن والأدب يفتحان نافذة على “الآخر”، مما يعزز قيم التسامح. المعرفة بتجارب الشعوب الأخرى تجعل المجتمع يدرك أن أزمته ليست فريدة، وأن الحلول تكمن في الانفتاح لا الانغلاق.
• المصدر: تشير تقارير منظمة اليونسكو حول “الثقافة من أجل التنمية” إلى أن الاستثمار في المحتوى الثقافي المحلي يقلل من معدلات العنف المجتمعي بنسبة ملحوظة، لأن الفن يمنح الشباب قنوات للتعبير عن غضبهم وإحباطهم بدلاً من اللجوء للعنف.
الإستثمار في “الأمن المعنوي” (رؤية الدول الحديثة)
لم يعد الاستثمار في الثقافة مجرد بناء مسارح أو طباعة كتب، بل أصبح جزءاً من “الأمن القومي” في الدول المتقدمة.
• الثقافة كقوة ناعمة وصلبة: بعض الدول، مثل فنلندا وكوريا الجنوبية، تعتبر الثقافة والتعليم خط الدفاع الأول ضد التهديدات الخارجية والداخلية. المجتمع الذي يقرأ هو مجتمع يصعب خداعه أو اختراقه فكرياً.
• التحليل الاقتصادي: رغم أن الثقافة لا تضخ أموالاً فورية مثل التجارة، إلا أنها تمنع “خسائر اجتماعية” هائلة. تكلفة بناء مكتبة أو مركز ثقافي هي أقل بكثير من تكلفة معالجة آثار التطرف أو الجريمة الناتجة عن الفراغ الفكري.
الثقافة وصيانة “الإنسانية” وسط الوحشية
في الأزمات، تتوحش لغة المصالح وتطغى المادية. هنا، يأتي دور الثقافة ليذكرنا بأننا “بشر”.
• رأي أدبي: يقول الروائي الراحل تيسير السبول: “الثقافة هي ما يبقى عندما ننسى كل شيء”. إنها القدرة على الحفاظ على القيم الأخلاقية، والجمالية، والتعاطف الإنساني في وقت ينهار فيه كل شيء آخر. هي التي تمنعنا من التحول إلى أرقام صماء في سجلات الضحايا أو الخسائر.
الرهان الرابح
ربما لا تملك الرواية أو اللوحة أو القصيدة القدرة على خفض سعر الصرف أو إنهاء صراع مسلح بقرار فوري، لكنها تمنح المجتمع “البوصلة”. إنها تعيد تعريف الأزمة بوصفها محطة للتعلم لا نهاية للطريق. ولهذا تظل الثقافة هي حائط الصد الأخير؛ فإذا سقط الاقتصاد يمكن تعويضه، وإذا تعثرت السياسة يمكن إصلاحها، أما إذا سقطت ثقافة المجتمع، فقد سقطت هويته وروحه للأبد.
