هبه وصفي تكتب:
ما بعد صراخ الإسعاف: المشهد الذي نحفظه جميعاً حين لماذا تتحول بعض المآسي إلى أخبار عابرة؟ وأخرى إلى جرحٍ لا يندمل
في كل مرة تقع فيها حادثة كبرى، تتكرر المشاهد ذاتها بدقة جنائزية: أضواء سيارات إسعاف تخرق عتمة المكان، حشود قلقة تتجمع خلف الأشرطة الصفراء، ومئات الكاميرات التي توثق اللحظة لنشرها في سباق “التريند”. ثم، وبعد أيام قليلة، يبرد الخبر، يختفي من شريط الأخبار، وينشغل العالم بحدث جديد. لكن، خلف هذا الصمت الإعلامي، تبدأ قصة أخرى لا تنتهي؛ قصة أسر فقدت أحباءها، وبدأت حياة جديدة قوامها “غياب لا يُعوض” وأسئلة لا تجد إجابات.
الضحية ليست رقماً.. بل حياة كاملة
تظهر الحوادث في نشرات الأخبار كإحصائيات باردة: (عدد الضحايا، عدد المصابين، وموقع الحادث). هذا الاختزال يحول الإنسان إلى مجرد “رقم” في سجلات الطوارئ، لكن الحقيقة أن خلف كل رقم قصة كانت تنبض بالحياة:
• الأب الذي كان يحسب دقائق الوصول للعمل ليؤمن قوت يومه.
• الطالب الذي كان يحمل في حقيبته أحلاماً تسبق عودته للبيت.
• الأم التي تركت طعامها على النار بانتظار عودة أبنائها.
هذه التفاصيل الإنسانية الصغيرة هي “التاريخ الحقيقي” للحادثة، وهي القصص التي نادراً ما تجد مكاناً في التقارير الإخبارية السريعة التي تكتفي بالسطح وتتجاهل عمق المأساة.
فخ “القضاء والقدر”.. لماذا تتكرر المأساة؟
بينما يميل المجتمع أحياناً لوصف الحوادث بأنها مجرد “قدر”، يشير خبراء السلامة العامة إلى حقيقة صادمة: الكثير من هذه الحوادث ليست صدفة، بل هي نتيجة حتمية لعوامل متراكمة.
الإهمال في الصيانة، ضعف الرقابة على الطرق أو المنشآت، غياب التوعية المجتمعية الحقيقية؛ كلها أسباب تجعل الحادثة “تنتظر الوقوع” في الأماكن ذاتها وبنفس السيناريوهات. إن تكرار الحوادث في نقطة معينة يعني أن هناك خللاً بنيوياً لم يتم إصلاحه، وأننا نكتفي بمداواة الأعراض دون الجذور.
دورة النسيان”.. القاتل الصامت
يعاني الوعي الجمعي مما يصفه الباحثون بـ “دورة النسيان”. تبدأ بوقوع كارثة كبيرة، يتبعها انفجار في النقاش العام وغضب على منصات التواصل الاجتماعي، ثم تطلق وعود بالإصلاح، وبعد أيام يهدأ كل شيء دون تغييرات جذرية على أرض الواقع. هذا السكون المستمر هو ما يمهد الطريق لوقوع الفاجعة القادمة، التي ستعيد بدورها نفس “الدورة” المفرغة من الغضب المؤقت والنسيان الدائم.
صوت العائلات.. صرخة من أجل المستقبل
في لقاء مع أحد أقارب ضحايا حادث مروري أليم، لم تكن المطالب مالية أو عاطفية فحسب، بل كانت مطلباً أخلاقياً ووطنياً: “لا نريد فقط التعاطف أو كلمات العزاء.. نريد ألا تتكرر المأساة مع عائلات أخرى. نريد أن يكون رحيل أحبائنا سبباً في إنقاذ حياة غيرهم.”
هذه الجملة تلخص جوهر القضية: أن تتحول المأساة الفردية إلى “درس وطني” وقرار سيادي يمنع تكرار النزيف.
السؤال الذي يبقى
الحوادث قد تكون مفاجئة في توقيتها، لكن تكرارها المنهجي ليس مفاجئاً أبداً. السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطاردنا بعد كل جنازة ليس “كيف حدثت الحادثة؟” (فهذا عمل المحققين)، بل السؤال الأهم هو: لماذا لم نتعلم منها بعد؟ وإلى متى سنظل نوثق الموت بدلاً من أن نوثق خطواتنا الجادة نحو الحياة؟
