هبه وصفى_ تكتب:
الاقتصاد بوجهه الإنساني
في نشرات الأخبار، تبدو الأزمات الاقتصادية أرقامًا كبيرة تتحرك صعودًا وهبوطًا:
نِسَب تضخم، أسعار فائدة، مؤشرات أسواق، وخطوط بيانية لا تنتهي. لكن خلف هذه الأرقام، هناك وجوه لا تظهر. وجوه لأشخاص لا يتابعون البورصات، ولا يقرأون تقارير البنوك المركزية، ومع ذلك يدفعون الثمن كاملًا.
هؤلاء هم الفقراء.
ومن حولهم، تبدأ الأزمة دائمًا في مكان بعيد… ثم تصل إلى بيوتهم.
عادةً ما تبدأ القصة في الأسواق العالمية: اضطراب هنا، حرب هناك، قرار مالي في عاصمة كبرى، أو أزمة طاقة عابرة للحدود. تتحرك الأرقام، تهتز العملات، وتُتخذ قرارات “ضرورية” لحماية الاقتصاد الكلي. بعد أسابيع أو أشهر، تظهر النتائج في مكان آخر تمامًا: في سعر الخبز، وفاتورة الكهرباء، تكلفة المواصلات، وسلة الغذاء اليومية.
الأزمة لا تدخل البيوت فجأة، بل تتسلل ببطء. تبدأ بارتفاع بسيط في الأسعار، ثم تتراكم الزيادات، حتى يصبح ما كان عاديًا عبئًا. الطعام أقل، الخيارات أضيق، والقلق حاضر في كل قرار شراء. هكذا يتحول التضخم من مصطلح اقتصادي إلى إحساس يومي بعدم الأمان.
في أوقات الأزمات، تصبح الغذاء والطاقة أكثر من مجرد سلع. الغذاء يعني القدرة على البقاء، والطاقة تعني الدفء، والضوء، واستمرار الحياة. وعندما ترتفع أسعارهما، لا تتأثر الطبقات جميعها بالطريقة نفسها. من يملك فائضًا يتكيّف، ومن يعيش على الحافة ينهار.
هنا تظهر فجوة واضحة بين صانع القرار والمتأثر بالقرار. في غرف الاجتماعات، تُناقش السياسات بلغة الأرقام والنماذج والتوقعات. أما خارج هذه الغرف، فيعيش الناس نتائج هذه السياسات بلغة مختلفة تمامًا: لغة القلق، والتقشّف، وتأجيل الضروريات.
في دول الجنوب، تدفع مجتمعات كاملة ثمن أزمات لم تشارك في صنعها أصلًا. وفي دول الشمال، تتآكل الطبقات الوسطى، ويُعاد رسم حدود الفقر بشكل صامت. تختلف الجغرافيا، لكن النتيجة واحدة: الفئات الأضعف دائمًا هي الأكثر تأثرًا، والأقل قدرة على الاحتمال.
الاقتصاد، كما يُقدَّم غالبًا، يبدو علمًا محايدًا. لكن حين ننظر إليه من زاوية الإنسان، يتضح أنه مسألة عدالة قبل أن يكون مسألة أرقام. عدالة في توزيع الخسائر، وعدالة في تحمّل الأعباء، وعدالة في الاعتراف بمن يدفع الثمن الحقيقي.
حين يدفع الفقراء ثمن أزمات لم يصنعوها، لا تكون المشكلة في الاقتصاد وحده، بل في الطريقة التي نختار بها من نحمي… ومن نتركه يواجه العاصفة وحده.

