هبه وصفي تكتب:
حين يتحول الفن إلى صرخة احتجاج ومقاومة
في المنعطفات التاريخية الكبرى، يخلع الفن ثوبه المخملي كأداة للترفه الجمالي، ليرتدي خوذة المحارب. لم يعد الأمر يقتصر على رسم طبيعة صامتة أو عزف مقطوعة للاسترخاء؛ بل أصبح الفن شكلاً من أشكال المقاومة الوجودية. أغنية تنتقد الظلم بكلمات بسيطة، جدارية في زقاق شعبي تكشف عورات الاستبداد، أو مسرحية تطرح أسئلة محرجة في وجه الصمت. الفن في هذه اللحظات لا يكتفي بوصف الواقع من بعيد، بل يقتحم المشهد محاولاً تغييره وهز أركان الركود.

تاريخ طويل من “المقاومة بالجمال”
من الأغاني الشعبية التي تناقلتها الأجيال سراً في السجون، إلى الجداريات (الغرافيتي) التي غطت ميادين الثورات، لعب الفن دوراً محورياً في صياغة تطلعات الشعوب.
الفنان هنا لا ينفصل عن واقعه؛ فهو مثل الصحفي أو المؤرخ، يصبح شاهداً على عصره، لكنه يتميز عنهما بلغة فريدة. فبينما يخاطب الصحفي العقل بالحقائق، يخاطب الفنان الوجدان بلغة العاطفة والرمز، مما يجعل رسالته أسرع نفاذاً وأبقى أثراً في الذاكرة الجمعية.
قوة الرمزية.. التسلل خلف القيود
في المجتمعات التي تضيق فيها مساحات التعبير المباشر، يبرز الفن كـ “لغة مشفرة” تتجاوز مقص الرقيب.
تعتمد المقاومة الفنية غالباً على قوة الرمز بدل التصريح؛ لوحة تجريدية قد تحمل إدانة سياسية عنيفة، أو عمل فني تركيبي قد يجسد انكسار الحلم الاجتماعي دون أن ينطق بكلمة واحدة. هذه “المراوغة الإبداعية” هي ما تمنح الفن قدرة استثنائية على البقاء والتأثير حتى في أصعب الظروف، حيث تصبح الاستعارة والمجاز أقوى من الرصاص.

الفن والجمهور.. حين يصبح الإبداع صوتاً جماعياً
لا يكتسب العمل الفني المقاوم شرعيته إلا عندما يجد صدىً حقيقياً في صدور الناس.
بمجرد أن يشعر الجمهور أن اللوحة تعكس ألمهم، أو أن الأغنية تلخص غضبهم المكبوت، يتوقف العمل عن كونه ملكاً لصاحبه ليصبح “نشيداً جماعياً”. في هذه اللحظة، يتحول الفن من فعل فردي معزول إلى قوة دافعة تلهم الجماعة، وتمنحهم الشعور بأن صوتهم مسموع وأن معاناتهم ليست منسية.
بداية التغيير الحقيقي
قد يجادل البعض بأن الفن لا يستطيع إسقاط أنظمة أو تغيير قوانين بمفرده، وهذا قد يكون صحيحاً بالمعنى المادي المباشر.
لكن القوة الحقيقية للفن تكمن في قدرته على تغيير الطريقة التي يرى بها الناس العالم. حين ينجح الفن في تحطيم جدار الخوف داخل النفس، أو تسليط الضوء على زاوية مظلمة في الوعي، فإنه يضع البذرة الأولى والأساسية لكل تغيير حقيقي وقادم.

