هبه وصفي_ تكتب:
الفجوة بين الخبر والسياق
في زمن التدفق اللحظي للمعلومات، نعيش مفارقة لافتة: نشعر أننا نعرف كل شيء، ولا نفهم شيئًا تقريبًا. على شاشات التلفزة، وعبر منصات الأخبار ومواقع التواصل، لا تتوقف صور الانفجارات، والعناوين العاجلة، والتصريحات المتبادلة. ومع ذلك، يبقى السؤال معلقًا: ماذا يحدث حقًّا؟ ولماذا يحدث؟ ومن المستفيد؟
هنا، تحديدًا، تظهر الفجوة بين ما تخبرنا به الأخبار، وما نحتاج إليه لفهم الحروب في عمقها.
منذ اللحظة الأولى لاندلاع أي حرب، تبدأ عملية اختزال كبرى. تتحول الصراعات المركّبة إلى عناوين قصيرة: قصف متبادل، تصعيد جديد، هدنة هشة، انهيار مفاوضات. تُضغط الأزمنة في شريط عاجل لا يتجاوز سطرين، وتُختزل الجغرافيا في خريطة مبسطة، وتتحول حياة البشر إلى أرقام: قتلى، جرحى، نازحون. هكذا، تغدو الحرب سلسلة من أحداث متقطعة، بلا سردية واضحة، وبلا سياق يربط بداياتها بمآلاتها المحتملة.
ما يُستبعد من التغطية، في العادة، أكبر بكثير مما يُروى. فالإنسان يظهر غالبًا كضحية رقمية أو صورة عابرة، لا كقصة لها اسم ووجه وحياة قبل الحرب وبعدها. الخلفيات التاريخية تُهمَّش لصالح “الآن” العاجل، وكأن الحرب بدأت بلا جذور أو تراكمات سياسية واجتماعية. أما المصالح المعقّدة — المحلية والإقليمية والدولية — فتبقى في الظل: خرائط نفوذ، صفقات سلاح، حسابات اقتصادية، وصراعات على الموارد والممرات والأسواق.
في المقابل، يُدفع المتلقي إلى رؤية تبسيطية مريحة: طرف خير وطرف شر، معتدٍ وضحية، دون الاعتراف بأن الحروب، في الواقع، أعقد بكثير من هذه الثنائية السهلة.
يلعب الإعلام، بقصد أو دون قصد، دورًا محوريًا في إنتاج هذا التبسيط المخل. منطق السرعة والمنافسة على السبق يدفع إلى تقديم ما هو أسرع، لا ما هو أعمق. ومنطق الجذب والمشاهدة يُغري بالدراما البصرية على حساب التحليل الهادئ. كما تفرض القيود السياسية والاقتصادية — من التمويل إلى الخط التحريري — حدودًا على ما يمكن قوله وما يجب تجاهله. وهكذا، تتحول التغطية إلى سرديات جاهزة تعيد إنتاج نفسها: نفس المفردات، نفس الزوايا، ونفس الضيوف، مع اختلافات شكلية محدودة.
في مواجهة ذلك، لا يكفي أن ننتظر تغيّر طريقة إنتاج الأخبار، بل يصبح لزامًا علينا أن نغيّر طريقة تلقّيها. قراءة الحرب قراءة أعمق تبدأ بسؤال بسيط: ما الذي لم يُقَل؟ ماذا غاب عن هذه التغطية؟ البحث عن مصادر متعددة، محلية ودولية، والاستماع إلى أصوات المدنيين والباحثين المستقلين، ومحاولة فهم التاريخ والجغرافيا والبنى الاجتماعية والاقتصادية خلف المشاهد المتفجرة، كلها خطوات أساسية. كما أن التمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة المؤكدة والسردية الدعائية، جزء من مسؤولية المتلقي في عصر الفيض المعلوماتي.
أمام حروب تُدار بالسلاح وتُروى بالكاميرا، تبدو الحاجة إلى صحافة تفسيرية أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. صحافة لا تكتفي بسؤال: ماذا حدث؟ بل تحاول الإجابة عن: لماذا حدث؟ وكيف؟ وماذا يعني ذلك؟ ولمن؟
من دون هذا النوع من الصحافة، سنظل غارقين في تفاصيل يومية متناثرة: نعرف الكثير عن عدد الصواريخ واتجاهاتها، لكننا نفشل في فهم المسار الأكبر للحرب، ومآلاتها على البشر والمنطقة والعالم.
ما لا تقوله الأخبار اليوم عن الحرب الدائرة، ينبغي أن يكون محورًا لصحافة جديدة، تردم الفجوة بين الخبر والسياق، وبين المعرفة السطحية والفهم الحقيقي.
صحافة السياق – تغطية الحروب- الإعلام
الإعلام, التغطية الإخبارية, الحرب, السرد الإعلامي, القضايا الدولية, المشهد العالمي, تحليل الحروب, صحافة السياق

