هبه وصفي تكتب:
تمر غداً الإثنين الذكرى الثالثة بعد المائة على صدور “إعلان بلفور” المشؤوم؛ تلك القصاصة التي غيرت وجه التاريخ في الشرق الأوسط، وفتحت أبواب الجحيم على أرض فلسطين. في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، لم يكن الأمر مجرد رسالة ديبلوماسية، بل كان صكاً بريطانياً مُنح بموجبه الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم على أرض لم تكن يوماً لهم، وعلى حساب شعب متجذر فيها منذ فجر التاريخ.
تحالف المصالح: بلفور لم يكن بريطانياً فحسب
لم يأتِ الإعلان وليد الصدفة، بل كان نتاج مفاوضات مضنية استمرت ثلاث سنوات بين الحكومة البريطانية والمنظمة الصهيونية العالمية. استطاع الصهاينة خلالها إقناع “لندن” بأن كيانهم الموعود سيكون الحارس الأمين لمصالح الإمبراطورية في المنطقة.
ورغم أن التاريخ يقرنه باسم وزير الخارجية البريطاني “آرثر جيمس بلفور”، إلا أن الحقائق تؤكد أنه كان “إعلاناً غربياً بامتياز”. فقد نال مباركة الرئيس الأمريكي “ولسون” قبل نشره، وحصل على تأييد رسمي من فرنسا وإيطاليا واليابان، وصولاً إلى تكريسه “صك انتداب” في مؤتمر سان ريمو عام 1920، ليصبح التآمر الدولي واقعاً قانونياً فرضته عصبة الأمم بقوة السلاح.
حاولت بريطانيا ممارسة “التقية السياسية” لامتصاص سخط الشارع العربي؛ فأرسلت تطمينات للشريف حسين تؤكد فيها حماية مصالح العرب السياسية والاقتصادية. لكن خلف الستار، كانت الأوامر العسكرية البريطانية في فلسطين تُملى من قبل اللجنة اليهودية برئاسة “حاييم وايزمن”، بينما كانت السفن تفرغ آلاف المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية تحت حماية الحراب البريطانية.

المقاومة الفلسطينية: رد لم يتوقف
أمام هذا التغول، لم يقف الشعب الفلسطيني مكتوف الأيدي. لم تكن الوعود الدولية لتثني أصحاب الأرض عن حقهم، فانطلقت الثورات المتلاحقة؛ من هبة البراق عام 1929 إلى الثورة الكبرى عام 1936، في ملحمة صمود أثبتت أن الحقوق لا تموت بالتقادم ولا بالقصاصات الورقية.
دولة نبتت في “أرض الغير”
استغلت الحركة الصهيونية هذا الوعد كـ “مستند قانوني” في كل المحافل، حتى بات بلفور جزءاً أصيلاً من “وثيقة الاستقلال” الإسرائيلية. وبدعم دولي غير مسبوق، أُعلنت إسرائيل عام 1948 كأول دولة في التاريخ الحديث تنشأ بالكامل على أرض شعب آخر، لتبدأ منذ ذلك الحين رحلة الغطرسة، وابتلاع الأراضي، والبطش بشعب أعزل.
الأرقام لا تكذب: تزوير الديموغرافيا
عند صدور الوعد، كان في فلسطين نحو 650 ألف عربي يعمرون مدنها وقراها، مقابل 50 ألف يهودي فقط. ومع ذلك، تجاهل الوعد الحقوق السياسية لـ 92% من السكان، واصفاً إياهم بـ “الطوائف غير اليهودية” في محاولة مبكرة لطمس الهوية الوطنية الفلسطينية.
نص الوعد التاريخي: الرسالة التي أحرقت وطناً
وزارة الخارجية البريطانية – 2 نوفمبر 1917م
“عزيزي اللورد روتشيلد.. يسرني جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي.. إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية…”

