هبه وصفي تكتب:
معاناة المرضى مع ارتفاع تكاليف الصحة
وجع لا تداويه الأرقام: حين يصبح “الحق في الحياة” سلعة لمن يدفع
في ممر مستشفى حكومي يضج بأنين الصمت وزحام الخطوات، تجلس “أم محمد” على مقعد خشبي متهالك. لم تكن الساعات الثلاث التي قضتها في الانتظار هي الأصعب، بل كانت التفكير فيما سيحدث بعد خروجها من باب الطبيب. تعاني السيدة الخمسينية من مرض مزمن يتطلب بروتوكولاً علاجياً لا يتوقف، لكن في زمن التضخم، لم يعد العدو هو المرض وحده، بل تلك الورقة الصغيرة التي تسمى “روشتة”، والتي باتت أرقامها تفوق قدرة محفظتها المتعبة.
قصة أم محمد ليست مجرد حالة فردية، بل هي مرآة لواقع عالمي مأزوم، حيث يتقاطع غلاء المعيشة مع الحاجة البيولوجية للبقاء، لينتجا ظاهرة يطلق عليها الخبراء “الفقر الصحي”.
لغة الأرقام: عندما يقتل الفقر أكثر من الفيروسات
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى واقع مرعب؛ حيث يواجه أكثر من نصف سكان العالم صعوبة في الحصول على الخدمات الصحية الأساسية. ومع موجات التضخم التي ضربت الاقتصاد العالمي مؤخراً، لم تعد المشكلة في توفر الدواء بل في “القدرة على اقتنائه”.
إحصائيات تدق ناقوس الخطر:
• الإنفاق الكارثي: يضطر نحو 100 مليون شخص سنوياً للوقوع تحت خط الفقر المدقع بسبب التكاليف الطبية المباشرة.
• تضخم الدواء: شهدت أسعار الأدوية الأساسية في بعض الدول النامية ارتفاعاً بنسبة تتراوح بين 30% إلى 70% خلال العامين الماضيين نتيجة انخفاض قيمة العملات المحلية وتكاليف الشحن.
• الفجوة الطبقية: في الدول منخفضة الدخل، يستهلك الإنفاق على الصحة ما يقرب من 15% إلى 20% من دخل الأسرة الشهري، مقارنة بـ أقل من 5% في الدول المتقدمة.
مفارقة الطب الحديث: تقدم مذهل.. ومنال بعيد
نحن نعيش في العصر الذهبي للطب؛ تقنيات النانو، العلاج الجيني، والذكاء الاصطناعي الذي يشخص الأمراض في ثوانٍ. لكن هذه “المعجزة العلمية” خلقت فجوة أخلاقية.
فبينما يبتكر العلم علاجاً لمرض كان قاتلاً قبل عقد من الزمن، يوضع لهذا العلاج ثمن يجعل الوصول إليه “امتيازاً” وليس “حقاً”. يقول خبراء اقتصاد الصحة إن تكلفة الأبحاث والتطوير (R&D) يتم تحميلها للمريض بشكل مباشر، مما يحول الطب من رسالة إنسانية إلى صناعة استثمارية بحتة.
شهادات من قلب المعركة: “لا يتركون العلاج رغبةً”
في مكتبه الصغير المليء بملفات المرضى، يتحدث الدكتور أحمد سامي، طبيب الأمراض الباطنة، بنبرة تملاؤها الحسرة:
“أصعب لحظة في يومي ليست تشخيص مرض عضال، بل عندما ينظر المريض إلى وصفة الدواء ويسألني: ‘يا دكتور، هل هناك بديل أرخص؟ وإذا لم آخذه اليوم، ماذا سيحدث؟’. كثير من المرضى لا يتركون العلاج لأنهم يئسوا من الشفاء، بل لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفته. إنهم يختارون بين ثمن الدواء وثمن رغيف الخبز لأبنائهم.”
المقايضة المستحيلة تدفع المرضى إلى مسارات كارثية:
1. الاقتراض: الدخول في دوامة ديون لا تنتهي.
2. بيع الأصول: التخلي عن ممتلكات بسيطة (أرض، مصاغ، أثاث) لتأمين جرعة كيماوي أو غسيل كلى.
3. تجزئة العلاج: تناول نصف الجرعة الموصوفة لإطالة أمد الدواء، مما يؤدي إلى انتكاسات أخطر.
الاقتصاد العكسي: كيف يهدم المرض جدران المنازل؟
الفقر الصحي ليس مجرد غياب للمال، بل هو “فخ” يسقط فيه المجتمع. عندما يمرض العائل ولا يجد العلاج، يفقد قدرته على العمل، فتتحول الأسرة من وحدة منتجة إلى وحدة تعتمد على الإعانات.
تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن التكاليف الصحية غير المتوقعة هي السبب الأول لإفلاس الأسر في دول كثيرة (بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية أحياناً). في الدول النامية، يمثل المرض “الهزة الزلزالية” التي تهدم ما بنته الأسر في سنوات من الكفاح، لتعيدهم إلى نقطة الصفر أو ما دونها.
السؤال الأخلاقي الصعب: هل الصحة سلعة؟
في ختام هذا التقرير، نجد أنفسنا أمام تساؤل أخلاقي وقانوني يطارد الحكومات والمنظمات الدولية: هل يجب أن تكون جودة العلاج مرتبطة بجودة المحفظة المالية؟
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على أن “لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته”. لكن الواقع يخبرنا أن هذا النص لا يزال حبراً على ورق بالنسبة لملايين مثل “أم محمد”.
الحلول المقترحة من الخبراء:
• توسيع التأمين الصحي الشامل: ليكون المظلة التي تحمي الأفراد من الهزات المالية.
• دعم الأدوية الجنيسة (Generics): تشجيع الصناعات المحلية لتقليل الاعتماد على الاستيراد بالعملة الصعبة.
• الرقابة على الأسعار: وضع سقف ربحي أخلاقي للصناعات الدوائية في أوقات الأزمات.
بينما كانت أم محمد تهم بالنهوض لمقابلة الطبيب، كانت تمسك بسبحتها وتتمتم بكلمات الرجاء. بالنسبة لها، الأمل ليس في اكتشاف علمي جديد، بل في نظام يحترم إنسانيتها ويضمن لها ألا تموت بمرض “علاجه موجود لكن ثمنه مفقود”. إن إنقاذ النظام الصحي العالمي ليس ترفاً، بل هو ضرورة أمنية واقتصادية، لأن المجتمع المريض لا يمكنه أن يبني اقتصاداً قوياً.

