كتبت: هبه وصفي
ما لا يُقال…
ليس الصمت دائمًا حيادًا. أحيانًا يكون اختيارًا واعيًا، وأحيانًا يكون أسهل الطرق لتفادي الأسئلة الصعبة. في السياسة، كما في الحياة، ما لا يُقال قد يكون أكثر تأثيرًا مما يُقال.
في لحظات الأزمات الكبرى، يتوقع الناس مواقف واضحة. لكنهم غالبًا يواجهون صمتًا مدروسًا: بيانات مؤجلة، تصريحات عامة بلا مضمون، وغياب لافت عن مشهد يتطلب حضورًا أخلاقيًا أو سياسيًا.
متى يتحول الصمت إلى قرار؟
حين تكون الكلمة ممكنة، لكن حسابات الكلفة تجعلها مؤجلة. حين يعرف الفاعل السياسي ما يحدث، ويختار ألا يعلّق، أو أن يتحدث بلغة رمادية لا تقول شيئًا.
في السنوات الأخيرة، رأينا هذا الصمت يتكرر. في حروب طويلة، وفي انتهاكات موثقة، وفي أزمات إنسانية واضحة المعالم. صمت لا يعني الجهل، بل يعني أحيانًا انتظار اتجاه الريح.
هذا الصمت لا يمرّ بلا أثر. الرأي العام يلتقطه، ويقرأه كرسالة مبطنة: إما تبرير ضمني، أو خوف من خسارة تحالف، أو رغبة في البقاء خارج دائرة المساءلة.
لكن الصمت ليس دائمًا تواطؤًا. هناك فرق دقيق بين الحكمة والتواطؤ. الحكمة قد تعني التريث، أو اختيار لحظة أنسب للكلام، أو تجنب تصعيد غير محسوب. أما التواطؤ، فهو صمت بلا أفق، وصمت لا يتبعه موقف.
المشكلة تبدأ حين يتحول الصمت إلى عادة. حين يصبح الغياب عن القضايا الكبرى نمطًا، ويتحول تجنب الموقف إلى سياسة بحد ذاته. عندها، لا يعود الصمت مساحة تفكير، بل أداة لإدارة الخوف والمصالح.
في عالم مزدحم بالتصريحات، قد يبدو الصمت أحيانًا أكثر لفتًا للنظر من الكلام. هو لغة كاملة، تُقرأ بين السطور، وتُفهم من التوقيت، ومن اللحظة التي اختير فيها ألا يُقال شيء.
حين يصبح الصمت موقفًا سياسيًا، لا يعود مجرد غياب للصوت، بل حضورًا مكتمل الدلالة. والسؤال الحقيقي لا يكون: لماذا لم يتحدثوا؟ بل: ماذا يقول هذا الصمت عنهم… وعن العالم الذي نعيشه؟

