هبه وصفي تكتب:
على رصيف محطة قطارات في مدينة “ليل” الفرنسية، يقف “آدم”، شاب في الثلاثين من عمره، يحمل حقيبة ظهر مهترئة ونظرة تائهة. آدم ليس مجرد عابر سبيل، بل هو وجه من وجوه “أزمة الهوية” التي تجتاح القارة العجوز. يقول آدم بنبرة منكسرة: “جئت بحثاً عن الأمان والعمل، لكنني أجد نفسي اليوم في قلب معركة سياسية لا ناقة لي فيها ولا جمل. الخطابات الانتخابية تتحدث عني كأنني ‘تهديد’، بينما أنا مجرد إنسان يبحث عن خبزه اليومي”.
قصة آدم تلخص المشهد العالمي بعد عام 2025؛ حيث لم تعد الهجرة مجرد ملف إداري، بل تحولت إلى “وقود” لصعود تيارات اليمين المحافظ والشعبوي من أوروبا إلى الولايات المتحدة، ومن أميركا اللاتينية إلى أجزاء من آسيا.
صعود اليمين: عندما يصبح القلق الاقتصادي “شعبوية”
يشهد العالم موجة غير مسبوقة من صعود الأحزاب اليمينية. في أوروبا، عززت أزمات اللاجئين المتكررة والتباطؤ الاقتصادي من خطاب هذه الأحزاب. تشير إحصائيات “يوروستات” لعام 2025 إلى أن أكثر من 45% من الناخبين في بعض دول الاتحاد الأوروبي باتوا يضعون “السيطرة على الحدود” كأولوية قصوى قبل الخدمات الصحية والتعليم.
يقول الدكتور “ماركوس شولتز”، باحث في العلوم السياسية ببرلين: “اليمين الجديد لا يبيع برامج اقتصادية بقدر ما يبيع ‘الأمان الثقافي’. الهجرة هي الملف الأكثر حساسية لأنها تربط بين الضغط على الخدمات العامة وفرص العمل وبين الهواجس حول الهوية الوطنية”.
الولايات المتحدة: الحدود الجنوبية كساحة حرب انتخابية
عبر المحيط، عادت قضية الحدود الجنوبية لتتصدر المشهد الأمريكي. وسط انقسام حاد، تحولت سياسات الاستقبال والتنظيم إلى أداة تعبئة انتخابية بامتياز. الخطاب لم يعد يركز فقط على الأرقام، بل على “الأمن القومي” و”السيادة”.
وفقاً لبيانات “مركز بيو للأبحاث” (Pew Research)، فإن قضية الهجرة غير النظامية أصبحت المحرك الأول لقرارات الناخبين المحافظين، متجاوزة قضايا الضرائب والنمو الاقتصادي لأول مرة منذ عقود.
الهجرة كأداة سياسية: النتائج المتوقعة
هذا التحول السياسي يفرز واقعاً قانونياً وحقوقياً جديداً، يتسم بـ:
- تشديد قوانين اللجوء: تقليص فترات الاستقبال وزيادة شروط القبول.
- إعادة النظر في برامج الإقامة: ربط البقاء في الدولة بالقدرة على الاندماج السريع أو الحاجة الاقتصادية الصرفة.
- تصاعد الجدل الحقوقي: تحذيرات من منظمات دولية حول تآكل المعايير الإنسانية الدولية تحت وطأة الضغوط السياسية.
المفارقة الكبرى: الحاجة الاقتصادية مقابل الرفض السياسي
تكمن المفارقة الصارخة في أن الاقتصادات الكبرى التي ترفع شعارات التضييق، ما زالت في أمس الحاجة إلى العمالة المهاجرة. تقرير “صندوق النقد الدولي” لعام 2025 يؤكد أن دولاً مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة ستواجه انكماشاً اقتصادياً حاداً إذا توقفت تدفقات المهاجرين، بسبب شيخوخة السكان ونقص الأيدي العاملة في قطاعات حيوية كالزراعة والرعاية الصحية والتقنية.
تقول “إيلينا”، صاحبة مزرعة في إيطاليا: “السياسيون يصرخون في التلفاز ضد المهاجرين، لكنهم لا يخبرون الناس أن محاصيلنا ستتعفن في الأرض إذا لم يأتِ هؤلاء الشباب لجمعها. نحن نعيش في حالة انفصام بين ما نحتاجه لعيشنا وبين ما نصوت له في صناديق الاقتراع”.
الخلاصة: ما وراء الأرقام
إن صعود اليمين وتأثيره على سياسات الهجرة ليس مجرد تحول في الخرائط السياسية، بل هو اختبار لضمير العالم. خلف كل قانون جديد، هناك “آدم” ينتظر، وخلف كل خطاب شعبوي، هناك اقتصاد يحتاج لمن يحركه.
التحدي الحقيقي في 2025 وما بعدها ليس في بناء الجدران أو فتح الحدود على مصراعيها، بل في إيجاد لغة سياسية تعترف بالحاجة الاقتصادية المتبادلة دون أن تدهس الكرامة الإنسانية للمهاجر، أو تتجاهل المخاوف المشروعة للمواطن.

