هبه وصفي تكتب:
في زوايا المدن العتيقة، حيث تفوح رائحة الزمان الممزوجة بالرطوبة والنسيان، تعيش فئة من البشر لا تشبه عصرنا السريع في شيء. هؤلاء ليسوا مجرد أصحاب مهن، بل هم “مستودعات حية” لتاريخ يلفظ أنفاسه الأخيرة. يطلق عليهم الباحثون “الحراس الأخيرون”، وهم أفراد يمثلون النسخة الأخيرة من تقاليد ومهن يهددها الذكاء الاصطناعي، والإنتاج الكمي، وعولمة الذوق.
في هذا التحقيق، نعبر الأزقة الضيقة لنلتقي بهؤلاء الحراس، لنفهم ماذا يعني أن تكون “الخيط الأخير” في ثوب هويتنا الممزق.
مهندس القصب الذي يحاور النيل
في قرية صغيرة على ضفاف نيل الصعيد، يجلس “العم جابر” (74 عاماً)، وهو آخر من يتقن فن صناعة “الفلوكة” الخشبية يدوياً بالكامل دون مسمار معدني واحد. يقول جابر وعيناه ترقبان النهر: “الخشب يحس بصاحبه، المراكب اليوم تُصنع من الحديد والبلاستيك، تسير في الماء كأنها جثة، أما الخشب فيتنفس مع الموج”.
الأرقام تتحدث: تشير إحصاءات غير رسمية لجمعيات التراث الشعبي إلى اندثار أكثر من 60% من الحرف اليدوية المرتبطة بالنيل في العقد الأخير. لم يعد هناك من يتحمل مشقة ثني الأخشاب بالبخار أو اختيار أنواع “السنط” المعمرة. جابر لا يحمي مهنة، بل يحمي “علاقة حب” بين الإنسان والنهر، علاقة مهددة بالاختفاء بمجرد أن ترتعش يده عن الإمساك بالمطرقة.
ورّاق المخطوطات.. من ينقذ الحبر من التلاشي؟
في قلب القاهرة التاريخية، يقع دكان صغير لا تتجاوز مساحته أمتاراً قليلة، يفوح منه عطر الورق العتيق و”المرّ” والزعفران. هنا يعمل “زين”، المرمم الذي يرفض استخدام الأجهزة الرقمية في معالجة المخطوطات التي يعود عمرها لـ 500 عام.
- فلسفة الحارس: يقول زين: “المخطوط كائن حي، له رائحة وجلد ومسام. عندما أرمم صفحة مزقها العث، أنا لا أصالح الورق، بل أصالح التاريخ”.
- خطر الانقراض: يعاني هذا الفن من ندرة “المواد الخام” الأصلية، وصعوبة إيجاد جيل جديد يملك الصبر للجلوس 10 ساعات لإصلاح سطر واحد. زين هو واحد من أقل من 10 أشخاص في المنطقة العربية الذين لا يزالون يمارسون الترميم اليدوي بالأساليب القروسطية.
حكواتي المقهى.. حين كان الصوت “سينما” البسطاء
“كان يا ما كان، في قديم الزمان..” بهذه الكلمات التي كانت تهز أركان المقاهي، لم يعد يصدح إلا صوت “أبو شادي” في دمشق القديمة. هو آخر الحكواتية الذين يجلسون على الدكة العالية، ممسكاً بسيفه الخشبي وكتاب “الظاهر بيبرس”.
في زمن “تيك توك” والمقاطع التي لا تتجاوز 15 ثانية، يبدو أبو شادي ككائن خرافي. يقول: “الناس فقدوا القدرة على الاستماع، يريدون النهاية قبل أن تبدأ الحكاية. أنا هنا لأعلمهم أن الصبر هو أجمل ما في القصة”. الحكواتي ليس مجرد مؤدٍ، بل هو “ناظم” الأخلاق الشعبية، واختفاء صوته يعني ضياع “الخيال الجماعي” الذي وحد الجماهير لقرون.
ناسخو النور.. الخط العربي بين الروح والرقمنة
بينما تحول الخط العربي إلى “خطوط رقمية” (Fonts) جاهزة بضغطة زر، يصر الخطاط “عبد الله” على قضاء شهور في كتابة لوحة واحدة بـ “بوصة” القصب ومداد صنعه بنفسه من سواد الدخان.
حقائق من قلب المحبرة:
الزمن النفسي: تستغرق كتابة صفحة واحدة من المصحف بالخط اليدوي المجود ما بين 3 إلى 5 أيام، بينما يطبع الحاسوب آلاف النسخ في دقيقة.
القيمة الروحية: يرى الحراس أن الخط اليدوي يحتوي على “رعشة الروح” التي لا تملكها الآلة. وبحسب منظمة اليونسكو، تم إدراج الخط العربي مؤخراً في قائمة التراث غير المادي لحمايته من “الموت الرقمي”.
تحليل إنساني.. لماذا يرفضون الرحيل؟
ما الذي يدفع رجلاً في الثمانين للعمل في مهنة لا تدر عليه ثمن خبزه؟ الإجابة تكمن في “الهوية كواجب”.
- الارتباط الوجودي: هؤلاء الحراس لا يرون أنفسهم أصحاب مهن، بل “أوصياء”. يشعرون بالذنب تجاه أجدادهم إذا توقفت المهنة عندهم.
- المقاومة الثقافية: كل غرزة إبرة في ثوب تراثي، أو سطر في مخطوط، هو فعل مقاومة ضد العالم “المعلب” الذي يريد تحويلنا جميعاً إلى نسخ مكررة.
التراث في خطر.. أرقام النزيف المستمر
لا تكتمل صورة “آخر الحراس” دون النظر إلى البيانات القاسية التي تهدد وجودهم:
- 80% من الحرف اليدوية في المدن التاريخية العربية مهددة بالاختفاء خلال الـ 15 سنة القادمة بسبب عزوف الشباب عن تعلمها.
- متوسط عمر الحراس المهرة يتراوح بين 65 و85 عاماً، مما يعني أننا بصدد خسارة “بنك معلومات” بشري هائل في وقت قريب جداً.
- غياب قوانين “حماية الملكية التراثية” يجعل المنتجات المقلدة الرخيصة تغزو الأسواق، مما يخنق الحراس اقتصادياً.
كيف ننقذ “الأنفاس الأخيرة”؟
إن حماية هؤلاء الحراس ليست مسؤولية وزارات الثقافة فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية:
التوثيق الشفهي: يجب تسجيل كل حركة وكلمة وسر مهنة لدى هؤلاء الحراس قبل رحيلهم.
الاستثمار السياحي: تحويل ورش هؤلاء الحراس إلى “متاحف حية” تدر عليهم دخلاً كريماً يضمن بقاءهم.
مدارس التلمذة: تشجيع الشباب بتقديم منح مالية لتعلم هذه الحرف على يد “الشيوخ الكبار”.
عندما يغلق الحارس بابه للمرة الأخيرة
عندما يرحل آخر صانع “طبل” يدوياً، أو آخر خبير في “تطعيم الصدف”، لا نفقد سلعة، بل نفقد “ذاكرة بصرية” لن تعود. هؤلاء الحراس هم الحصون الأخيرة التي تحمينا من السقوط في فخ “اللا انتماء”. إنهم يذكروننا بأننا لسنا مجرد مستهلكين، بل نحن أبناء حضارة كانت تعرف كيف تحول القش إلى ذهب، والحجر إلى قصيدة.
في المرة القادمة التي تمر فيها بجانب دكان قديم، لا تنظر إلى صاحبه كرجل “فات عليه الزمن”، بل انظر إليه كـ “بطل قومي” يحرس بوابات ماضينا لكي نتمكن نحن من رؤية مستقبلنا.

