المستشار الدكتور : جاب الله أبوعامود
تزامن غريب أم هندسة متقنة؟
في اللحظة التي يقود فيها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو المنطقة العربية نحو حرب شاملة ومدمّرة ضد إيران، وفي خضم القصف اليومي والاغتيالات والتهديدات باجتياح بري، انفجرت قنبلة من نوع آخر داخل البيت الأبيض نفسه.
شبكة NBC News كشفت عن مفاجأة زلزلت واشنطن: وزارة العدل الأمريكية أفرجت عن وثائق سرية من ملفات الملياردير الإسرائيلي الأمريكي جيفري إبستين، تضمنت شهادة مفجعة لامرأة من كارولينا الجنوبية تؤكد تعرضها للاعتداء الجنسي من قبل دونالد ترامب شخصياً في الثمانينيات، عندما كان عمرها بين 13 و15 عاماً فقط .
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل هي مصادفة أن تخرج هذه الوثائق الآن، في ذروة الحرب على إيران؟ أم أن هناك يداً خفية تحرك الأحداث لتجعل الصواريخ والغارات الجوية تغطي على فضيحة مدوية تطال رئيس الولايات المتحدة نفسه؟
أولاً: تفاصيل الوثائق المسربة.. ماذا حدث؟
الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية في 5 مارس 2026 تكشف عن تفاصيل مروعة:
الضحية والشهادة
امرأة من كارولينا الجنوبية، كانت تبلغ من العمر 13 إلى 15 عاماً في منتصف الثمانينيات، كشفت لمكتب التحقيقات الفيدرالي كيف كان جيفري إبستين ينقلها بطائراته وسياراته إلى مبنى شاهق جداً بغرف ضخمة (في إشارة واضحة إلى أبراج ترامب)، حيث وقعت الاعتداءات .
الأكثر بشاعة: والدتها تعرضت للابتزاز والتهديد الجسدي لسنوات بهدف إسكاتها ومنعها من التحدث .
تحقيقات الـ FBI
مكتب التحقيقات الفيدرالي اعتبر ادعاءات المرأة جوهرية بما يكفي لإجراء 4 مقابلات مطولة معها في يوليو وأغسطس وأكتوبر 2019 . لكن الغريب أن ثلاثاً من هذه المقابلات كانت مفقودة من الملفات التي أفرجت عنها الوزارة في البداية، مما أثار شبهات التغطية المتعمدة .
اعتراف وزارة العدل
بعد ضغط إعلامي وسياسي كبير، اعترفت وزارة العدل أن هذه الملفات تم “ترميزها بشكل غير صحيح كمكررة” وبالتالي تم حجبها عن الجمهور عن طريق الخطأ . لكن هذا التفسير وصفه النقاد بأنه واهٍ وغير مقنع.
ثانياً: التحرك السياسي.. عندما ينقلب الجمهوريون على ترامب
المفاجأة الأكبر لم تكن في الوثائق فقط، بل في رد فعل الكونغرس. لجنة الرقابة بمجلس النواب صوّتت بأغلبية 24 مقابل 19 لاستدعاء المدعية العامة بام بوندي للتحقيق في كيفية تلاعب وزارة العدل بملفات إبستين لسنوات .
الأكثر إثارة للصدمة: 5 جمهوريين انضموا إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح استدعاء بوندي، في تحدٍ غير مسبوق لرئيس من حزبهم .
النائبة الجمهورية نانسي ميسي قالت بصراحة: “قضية إبستين هي واحدة من أكبر عمليات التستر في التاريخ الأمريكي. شبكته العالمية للاتجار بالبشر أكبر مما يتم الكشف عنه. 3 ملايين وثيقة تم إصدارها، وما زلنا لا نملك الحقيقة كاملة. مقاطع الفيديو مفقودة. التسجيلات الصوتية مفقودة. سجلات الرحلات مفقودة” .
النائب الديمقراطي روبرت جارسيا أعلن بشكل جريء: “سوف ننهي عملية التستر التي يقوم بها البيت الأبيض” .
ثالثاً: تزامن الأحداث.. هل الحرب غطاء للفضيحة؟
الآن، لننظر إلى التوقيت بدقة:
· 28 فبراير 2026: اندلاع الحرب الشاملة على إيران، بقصف أمريكي إسرائيلي مكثف.
· 2-4 مارس 2026: تصاعد العمليات العسكرية، وتغطية إعلامية عالمية مكثفة على ضربات إيران.
· 5 مارس 2026: وزارة العدل الأمريكية تفرج عن وثائق إبستين المفقودة .
· 5 مارس 2026: لجنة الرقابة تصوت لاستدعاء بوندي في جلسة مغلقة .
هذا التزامن يطرح سؤالاً استراتيجياً خطيراً: هل تعمد ترامب إشعال جبهات الحرب في الشرق الأوسط الآن بالذات ليصرف أنظار العالم والشعب الأمريكي عن وثائق إبستين التي بدأت تخرج من أدراج الـ FBI؟
رابعاً: سابقة تاريخية.. حين تستخدم الحروب لإخفاء الفضائح
التاريخ مليء بالأمثلة على استخدام الحروب الخارجية كغطاء لفضائح داخلية:
كلينتون وقصف السودان وأفغانستان
في 1998، ومع تصاعد فضيحة مونيكا لوينسكي، أمر الرئيس بيل كلينتون بقصف السودان وأفغانستان. النقاد اتهموه حينها باستخدام القوة العسكرية لصرف الأنظار عن محاكمة عزله.
بوش الابن وحرب العراق
قبل انتخابات التجديد النصفي 2006، ومع تزايد الانتقادات لسياساته الداخلية، صعّد جورج بوش الابن خطابه حول “الحرب على الإرهاب” لاستعادة شعبيته.
الآن: ترامب وإيران
السيناريو يتكرر بذات التفاصيل. استطلاعات الرأي الأمريكية تظهر أن 43% من الأمريكيين يعارضون الحرب على إيران . الرئيس يواجه أزمة ثقة داخلية، وأسوأ ما يمكن أن يحدث له هو أن تنشغل وسائل الإعلام بفضيحة جنسية تطاله شخصياً.
خامساً: ماذا قالت الضحية للـ FBI؟
الوثائق المنشورة حديثاً تكشف تفاصيل صادمة عما حدث للضحية:
في مقابلتها الأولى، أخبرت المرأة المحققين أن رجلاً يدعى “جيف” في هيلتون هيد، ساوث كارولينا، اغتصبها عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها. لم تكن تعرف هويته آنذاك، لكن بعد عقود، أرسلت لها صديقة صورة لإبستين من خبر صحفي، فأدركت من يكون .
في مقابلة لاحقة، أضافت تفاصيل أكثر رعباً: ادعت أن إبستين دبّر مؤامرة لسجن والدتها، وكان يضربها، ورتب لها لقاءات جنسية مع رجال آخرين. وفي إحدى المرات، أقلها إلى نيوجيرسي أو نيويورك، حيث ادعت أنها عضّت دونالد ترامب بعد أن حاول الاعتداء عليها جنسياً .
المحققون طلبوا منها تفاصيل إضافية عن تفاعلاتها مع ترامب، لكنها رفضت الإجابة وقطعت الاتصال .
سادساً: لماذا الآن؟ التحليل الاستراتيجي
من منظور الحرب النفسية
عندما تشن حرباً على جبهتين، فأنت تخسر ambas. ترامب وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه:
· الجبهة الخارجية: حرب استنزاف مع إيران، بدون نصر حاسم، وبدون دعم شعبي كافٍ.
· الجبهة الداخلية: فضيحة إبستين تعود لتطارده، وهذه المرة بأدلة أكثر وضوحاً.
من منظور إسرائيل
إسرائيل، التي تقف خلف هذه الحرب، تجد نفسها في موقف محرج. هي تحتاج ترامب مشغولاً بالحرب، لا مشغولاً بالدفاع عن نفسه أمام الكونغرس. فإذا انشغل ترامب بفضائحه الداخلية، فقد يخفف الضغط على إيران، وهذا كارثة استراتيجية على إسرائيل.
من منظور الشرق الأوسط
العرب والمسلمون يراقبون هذا المشهد باندهام. رئيس الولايات المتحدة، الذي يقود حملة تدمير شاملة ضد إيران، متهم بالاعتداء على طفلة في الثالثة عشرة. كيف يمكن لهذا الرجل أن يدعي الأخلاق والديمقراطية وحقوق الإنسان؟
سابعاً: ردود الفعل الأمريكية
وزارة العدل حاولت التقليل من أهمية الوثائق، قائلة إنها تحتوي على “ادعاءات غير صحيحة ومثيرة” تم تقديمها قبل انتخابات 2020 . لكن هذا الرد لم يقنع أحداً.
البيت الأبيض أصدر بياناً قال فيه إن ترامب “تم تبرئته تماماً من أي شيء يتعلق بإبستين” . لكن السؤال: إذا كان مبرأً، فلماذا اختفت ثلاث مقابلات كاملة مع الضحية من الملفات؟ ولماذا احتاج الأمر إلى ضغط إعلامي لإخراجها؟
النائب روبرت جارسيا قال بصراحة: “وزارة العدل تواصل قيادة عملية تستر من قبل البيت الأبيض. نحن نطالب بإصدار الملفات المتبقية التي لم يتم إصدارها للجمهور” .
ثامناً: الدروس المستفادة للعالم العربي
ما يحدث في أمريكا يحمل دروساً قاسية للعالم العربي:
1. ازدواجية المعايير
أمريكا التي تقصف إيران بحجة “الدفاع عن إسرائيل” وتعزيز “الأمن الإقليمي” هي نفسها التي يترأسها رجل متهم بالاعتداء على طفلة. هذه الازدواجية تكشف أن القيم التي تعلنها أمريكا ليست سوى غطاء لمصالحها.
2. الحرب كأداة للهروب إلى الأمام
ترامب يثبت أن الحرب يمكن أن تكون أداة سياسية داخلية بامتياز. عندما تواجه أزمة داخلية، اشعل حرباً خارجية. هذه قاعدة يجب أن تكون الشعوب العربية واعية لها: كلما اشتد العدوان على المنطقة، ابحث عن الفضيحة التي يخفيها المعتدي.
3. التضامن الأمريكي الإسرائيلي في الفضيحة
إبستين كان إسرائيلياً أمريكياً. شبكته كانت تمتد بين تل أبيب ونيويورك. الضحايا من كل أنحاء العالم. هذه الحقيقة يجب ألا تغيب عنا: العدو واحد، والشبكة واحدة، والأهداف واحدة.
4. الإعلام كسلاح ذو حدين
الإعلام الأمريكي بدأ يفضح المستور، لكن بعد فوات الأوان. لو كانت هذه الوثائق خرجت قبل الحرب، لربما تغير الموقف الشعبي الأمريكي. هذا درس للعالم العربي: الإعلام الحر هو خط الدفاع الأول ضد الحروب المفروضة.
تاسعاً: ماذا بعد؟
السيناريوهات المحتملة للأيام القادمة:
السيناريو الأول: تصعيد خارجي لتغطية داخلي
ترامب قد يضطر إلى تصعيد الحرب على إيران بشكل أكبر، ربما باجتياح بري، ليخلق حالة طوارئ وطنية تصرف الأنظار عن فضيحة إبستين.
السيناريو الثاني: انقسام جمهوري
الجمهوريون الخمسة الذين صوتوا لاستدعاء بوندي قد يكونون بداية انشقاق داخل الحزب الجمهوري. إذا اتسعت هذه الفجوة، فقد يواجه ترامب مشاكل حقيقية في الكونغرس.
السيناريو الثالث: تدويل الفضيحة
الضحايا في إيران والدول العربية الذين يتعرضون للقصف الآن، قد يجدون في هذه الفضيحة فرصة لمقاضاة ترامب دولياً، خاصة إذا ثبت تورطه في شبكة إبستين.
خلاصة: الحرب وهم.. الفضيحة حقيقة
ما نراه اليوم هو مشهد مركب:
· على السطح: حرب مدمرة على إيران، وصواريخ تنهمر، ومدن تدمر.
· في العمق: رئيس أمريكي يحاول يائساً الهروب من فضيحة تطاله شخصياً، ويستخدم دماء الأبرياء في الشرق الأوسط كغطاء.
النائبة نانسي ميسي قالت الحقيقة المرة: “قضية إبستين هي واحدة من أكبر عمليات التستر في التاريخ الأمريكي” . وما يحدث في إيران الآن هو جزء من هذا التستر.
العالم العربي والمسلم يراقب هذه المهزلة بعيون مفتوحة. رئيس أقوى دولة في العالم، الذي يدعي أنه يحارب الإرهاب ويدافع عن الحضارة الغربية، متهم بالتورط في أبشع الجرائم ضد الأطفال.
فوقوا يا عرب.. فوقوا يا مسلمين.. العدو الذي يقصفكم اليوم هو نفسه العدو الذي كان يعتدي على الأطفال في أبراج نيويورك. الفضيحة واحدة، والجريمة واحدة، والقاتل واحد.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

