هبه وصفي_ تكتب:
كيف غيّرت الحروب مفهوم الوطن لدى الشباب العرب؟
في العالم العربي اليوم، هناك جيل كامل نشأ على أصوات الحرب أكثر مما نشأ على أصوات الحياة الطبيعية.
شباب في العشرينات لا يتذكرون شكل مدنهم قبل الدمار.
أطفال كبروا في المخيمات أكثر مما كبروا في البيوت.
ومراهقون تعلموا معنى الحدود واللجوء والنزوح قبل أن يفهموا معنى الاستقرار.
في سوريا، غزة، العراق، ليبيا، السودان، واليمن، لم تعد الحرب حدثًا عابرًا في الذاكرة، بل أصبحت البيئة التي تشكل داخلها الوعي نفسه.
السؤال الذي يواجه هذا الجيل اليوم ليس فقط: “كيف نعيش؟”
بل: “أين ننتمي أصلًا؟”
فالحروب الطويلة لم تغيّر الجغرافيا السياسية وحدها، بل غيّرت الفكرة الأعمق والأكثر حساسية: مفهوم الوطن.
الوطن الذي لم يروه أبدًا
في المخيمات الحدودية شمال سوريا، هناك أطفال يحفظون أسماء القرى التي لم يزوروها قط.
أسماء تتردد في أحاديث الأهل كأنها أساطير بعيدة: حلب، معرة النعمان، دوما، درعا.
جيل كامل ورث ذاكرة مكان لم يعشه.
الشاب السوري الذي بلغ العشرين اليوم كان طفلًا حين بدأت الحرب.
بعضهم لم يدخل مدرسته الأولى إلا داخل مخيم.
آخرون تنقلوا بين أربع أو خمس دول قبل أن يصلوا إلى مرحلة الجامعة.
الوطن بالنسبة لكثيرين لم يعد مساحة ثابتة، بل حالة مؤقتة قابلة للانهيار.
في غزة، الوضع أكثر قسوة.
هناك شباب يعرفون البحر جيدًا لكنهم لم يغادروا القطاع يومًا.
يعرفون أسماء العالم عبر الإنترنت، لكنهم يعيشون داخل مساحة مغلقة تحاصرها الحرب والبطالة والخوف.
كثير من الشباب الفلسطيني اليوم يتحدث عن الوطن باعتباره “حقًا مؤجلًا” أكثر من كونه واقعًا يوميًا.
فكرة العودة نفسها أصبحت عند البعض أكثر ارتباطًا بالهوية الرمزية منها بالحياة العملية.
جيل يتقن النجاة أكثر من التخطيط للمستقبل
الحروب الطويلة لا تدمر البنية التحتية فقط، بل تدمر القدرة على تخيل المستقبل.
في دول عديدة شهدت نزاعات ممتدة، أصبح التفكير اليومي للشباب مرتبطًا بالنجاة لا بالتخطيط:
كيف أهاجر؟
كيف أجد عملًا؟
كيف أخرج من هذه المنطقة؟
كيف أحصل على تأشيرة؟
كيف أؤمّن الكهرباء والإنترنت والطعام؟
الأحلام الكبرى تراجعت لصالح الأسئلة الأساسية.
في العراق مثلًا، نشأ جيل كامل بين الاحتلال الأمريكي والعنف الطائفي وصعود تنظيم داعش والانهيار الاقتصادي.
كثير من الشباب العراقيين اليوم لا يثقون لا في السياسة ولا في الدولة ولا في الشعارات الوطنية التقليدية.
وفي ليبيا، عاش الشباب سنوات من الانقسام المسلح جعلت الانتماءات المحلية والقبلية والمناطقية أقوى أحيانًا من فكرة الدولة نفسها.
أما في السودان واليمن، فالحروب المستمرة دفعت آلاف الشباب إلى الهجرة أو الانخراط في اقتصاد الحرب أو العيش في دوائر انتظار طويلة بلا أفق واضح.
الحرب هنا لا تسرق الحاضر فقط، بل تسرق القدرة النفسية على تصور غد مختلف.
الهجرة لم تعد حلمًا… بل خطة نجاة
قبل عقود، كانت الهجرة في المخيال العربي مرتبطة بالطموح أو الدراسة أو تحسين الوضع الاقتصادي.
اليوم، بالنسبة لملايين الشباب، أصبحت الهجرة مرادفًا للبقاء.
في استطلاعات رأي متعددة داخل المنطقة العربية، ترتفع باستمرار نسب الشباب الذين يرغبون في مغادرة بلدانهم نهائيًا، خصوصًا في الدول التي شهدت صراعات طويلة.
المفارقة أن كثيرين لا يبحثون عن “حياة أفضل” فقط، بل عن شعور أساسي بالأمان والاستقرار النفسي.
شاب من غزة يقول في مقابلة صحفية:
“لم أعد أفكر أين سأعيش… فقط أريد مكانًا لا أسمع فيه الطائرات.”
هذه الجملة تختصر التحول العميق الذي أحدثته الحروب في الوعي الجمعي للشباب العربي.
الوطن لم يعد دائمًا المكان الذي يريد الإنسان البقاء فيه، بل أحيانًا المكان الذي يحاول النجاة من فقدانه الكامل.
الهوية الرقمية: وطن بديل؟
في ظل الانهيارات السياسية والجغرافية، لجأ كثير من الشباب إلى بناء هويات جديدة عبر الإنترنت.
وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل تحولت إلى مساحات بديلة للانتماء والتعبير والتواصل.
شاب سوري يعيش في ألمانيا قد يشعر بالقرب من فلسطيني في غزة أكثر من قربه من مؤسسات بلده الرسمية.
ومراهقة سودانية قد تبني صداقاتها وعالمها النفسي بالكامل عبر الإنترنت بعد فقدان مجتمعها المحلي بسبب الحرب.
الهوية الرقمية أصبحت أحيانًا أكثر استقرارًا من الهوية الوطنية نفسها.
لكن هذا العالم البديل يحمل تناقضاته أيضًا.
فهو يمنح الشباب مساحة للتعبير، لكنه يضاعف شعورهم بالمقارنة والخسارة والاقتلاع.
يشاهدون العالم يتحرك بينما يشعرون هم بأنهم عالقون خارج الزمن.
الحرب والعلاقة الجديدة مع السلطة
الحروب العربية الأخيرة خلقت فجوة عميقة بين الشباب ومؤسسات الدولة.
كثير من الشباب الذين عاشوا النزاعات رأوا الدولة إما غائبة، أو عاجزة، أو مصدرًا مباشرًا للعنف والخوف.
هذا غيّر بشكل جذري علاقتهم بمفهوم الوطنية التقليدي.
في السابق، كان الوطن يرتبط غالبًا بالعلم والحدود والخطاب الرسمي.
أما اليوم، فالكثير من الشباب يربطون الوطن بالأمان الشخصي والكرامة والقدرة على الحياة الطبيعية.
الوطن بالنسبة لهم ليس خطابًا سياسيًا، بل سؤال يومي:
هل أستطيع أن أعيش هنا دون خوف؟
ولهذا، ظهرت لدى بعض الأجيال نزعة أكثر فردية وأقل ارتباطًا بالأيديولوجيات الكبرى.
فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، أصبح كثيرون يشككون في كل السرديات السياسية التي قادت المنطقة إلى الدمار.
الحب والزواج والأسرة… حتى العلاقات تغيّرت
الحرب لا تغيّر السياسة فقط، بل تغيّر العلاقات الإنسانية الحميمة أيضًا.
في مناطق عديدة، ارتفع سن الزواج بسبب الانهيار الاقتصادي والنزوح.
وفي أماكن أخرى، دفعت الحروب الشباب إلى الزواج المبكر خوفًا من المجهول أو بدافع الحماية الاجتماعية.
حتى مفهوم الأسرة تغيّر.
هناك آلاف الشباب الذين يعيشون بعيدًا عن أهلهم في دول مختلفة، وعائلات كاملة موزعة بين المنافي.
الحرب أنتجت جيلًا يعرف الفقد كجزء طبيعي من الحياة:
فقدان بيت، مدينة، صديق، أو فرد من العائلة.
وهذا يترك أثرًا نفسيًا عميقًا طويل الأمد، حتى على من نجوا جسديًا.
جيل بلا يقين… لكنه أكثر وعيًا
ورغم كل هذا الخراب، فإن هذا الجيل ليس مجرد “جيل ضحية”.
الحروب صنعت أيضًا وعيًا سياسيًا وإنسانيًا مختلفًا.
كثير من الشباب العرب اليوم أكثر قدرة على فهم تعقيدات السلطة والعنف والهوية من الأجيال السابقة.
هم أقل تصديقًا للشعارات، وأكثر حساسية تجاه العدالة والحرية والكرامة الفردية.
جيل عاش الانهيار مباشرة، لذلك يرى العالم بعيون أقل رومانسية وأكثر واقعية.
لكن المشكلة أن هذا الوعي ينمو غالبًا داخل بيئة منهكة اقتصاديًا ونفسيًا، ما يخلق تناقضًا قاسيًا:
شباب أكثر فهمًا للعالم… لكن أقل قدرة على تغييره.
ماذا بقي من فكرة الوطن؟
ربما لم تعد القضية الأساسية بالنسبة للشباب العربي اليوم هي “حب الوطن” بالمفهوم التقليدي، بل إمكانية العيش داخله دون خوف أو قهر أو حرب.
الوطن بالنسبة لهذا الجيل لم يعد مجرد حدود جغرافية.
قد يكون شخصًا، أو ذاكرة، أو لغة، أو صورة بيت قديم على هاتف محمول.
وفي بعض الحالات، أصبح الوطن شيئًا يحمله الإنسان داخله لأنه لم يعد قادرًا على العودة إليه.
الحروب العربية لم تنتج فقط مدنًا مدمرة، بل أنتجت أيضًا جيلًا كاملًا يعيد تعريف معنى الانتماء من الصفر.
وربما لهذا السبب، فإن أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل وحده…
بل أنها تجعل الإنسان يشعر، ولو للحظة، أن العالم كله يمكن أن يتحول إلى مكان مؤقت.

