هبه وصفي تكتب:
بينما تنشغل شاشات الأخبار بإحصاء عدد الرصاصات وحساب مساحات الأرض المستردة في الحروب، تدور في الكواليس معركة أخرى، صامتة لكنها أشد ضراوة؛ معركة تشنها المدافع ضد “الذاكرة”. عندما يسقط صاروخ على مئذنة أثرية عمرها ألف عام، أو تقتحم يد العبث متحفاً وطنياً، فإن الأمر لا يتوقف عند تدمير الحجر، بل هو محاولة لـ “اقتلاع الجذور” ومحو الهوية التي صمدت لقرون.
في هذا التحقيق، نغوص في كواليس معركة الحفاظ على التراث في مناطق النزاع، ونستعرض قصص “حراس الذاكرة” الذين واجهوا الفوضى بصدور عارية، لنجيب على السؤال الوجودي: ماذا يتبقى من الأمة إذا فُقد تاريخها؟
جريمة حرب أم “أضرار جانبية”؟
ساد الاعتقاد لزمن طويل أن تدمير الآثار في الحروب ليس إلا “أضراراً جانبية” لا يمكن تفاديها وسط الغبار. لكن القانون الدولي والقراءات السياسية الحديثة تقول عكس ذلك تماماً. ففي عام 2016، سجلت المحكمة الجنائية الدولية سابقة تاريخية بإدانة “أحمد الفقي المهدي” بتهمة ارتكاب جريمة حرب لتدميره أضرحة تاريخية في تمبكتو بمالي.
كانت الرسالة واضحة: تدمير التراث ليس مجرد تخريب مادي، بل هو هجوم مباشر على الكرامة الإنسانية. وتشير تقارير اليونسكو إلى أن استهداف المواقع التراثية غالباً ما يكون متعمداً في النزاعات الحديثة لكسر الروح المعنوية للشعوب. ففي سوريا والعراق واليمن، لم تكن “تدمر” أو “النمرود” أو “متحف ذمار” مجرد مبانٍ، بل كانت رموزاً للاستمرارية التاريخية، واستهدافها يعني إخبار الجيل القادم بأن تاريخه قد انتهى.
لغز الأنف المكسور: هل قصف “نابليون” ذاكرة مصر؟
لا يكتمل الحديث عن استهداف التراث دون التوقف أمام أشهر “أنف” في التاريخ؛ أنف تمثال أبو الهول الرابض بجوار أهرام الجيزة. لطالما كانت هذه الملامح المكسورة مادة دسمة للإشاعات التاريخية، وآخرها ما جدده فيلم “نابليون” (2023) للمخرج ريدلي سكوت، والذي جسد مشهداً سينمائياً لقوات الحملة الفرنسية وهي تقصف التمثال بالمدافع، مما أعاد الجدل حول الفاعل الحقيقي ودوافعه.

تفنيد الأسطورة: براءة “بونابرت” وعلم المصريات
يرى المؤرخون أن نسبة هذا الفعل لنابليون تفتقر للتوثيق العلمي، بل إن الوقائع تثبت العكس. ويؤكد د. عبدالمنعم الجميعي، أستاذ التاريخ الحديث، أن الحملة الفرنسية اتسمت باحترام شديد للآثار، حيث ترك علماؤها إرثاً لا يزال حجر زاوية في علم المصريات، وعلى رأسه كتاب “وصف مصر”.
ويدعم هذا الطرح دليل مادي قاطع؛ فالمستكشف الدنماركي فريديريك لويس نوردين نشر رسوماً لأبو الهول في عام 1755 (أي قبل وصول نابليون بـ 61 عاماً)، وظهر فيها التمثال فاقداً لأنفه بالفعل. وبينما يعزو البعض الكسر لعوامل الزمن، تميل روايات تاريخية أخرى لاتهام شخص يُدعى “صائم الدهر” في عصر المماليك بمحاولة تشويه التمثال لدوافع عقائدية.
فلسفة التشويه: لماذا كُسرت أنوف تماثيل الملوك والعامة؟
ظاهرة “الأنوف المكسورة” ليست حكراً على أبو الهول؛ فالمتأمل في متاحف القاهرة ولندن وباريس سيجد مئات التماثيل لملوك مثل سنوسرت الثالث وحتشبسوت، وشخصيات رفيعة المستوى، تشترك جميعها في تشويه العضو ذاته. هذا الفعل لم يكن عبثاً، بل كان يحمل أبعاداً “انتقامية” و”عقائدية” عميقة:
إعاقة الحياة في “العالم الآخر”: يوضح د. حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، أن المعتقد المصري القديم كان يرى التمثال وعاءً للروح. لذا، كان كسر الأنف يهدف “خنق” الشخصية وتجفيف منابع تنفسها، مما يمنع انبعاثها أو خلودها في العالم الآخر.
تصفية الحسابات السياسية: في عالم الملوك، كان التشويه أداة للصراع على السلطة. فعلها تحتمس الثالث مع آثار حتشبسوت لمحو شرعيتها، وقام بها ملوك لاحقون لطمس أسماء سلفهم من القوائم الملكية (مثل قائمة أبيدوس)، في محاولة لاغتيالهم معنوياً وتاريخياً.
الانتقام الشخصي من العامة: أما بالنسبة لعامة الناس، فكان كسر الأنف أو طمس الوجه وسيلة لرد المظالم؛ حيث يقوم المتضرر بتشويه تمثال خصمه الراحل ليحرمه من التعرف على “روحه”، وبالتالي الحكم عليه بالعدم الأبدي.
إن كسر الأنف في التاريخ المصري القديم لم يكن مجرد تخريب للحجر، بل كان محاولة لـ “قتل الذاكرة” ومنع الخلود؛ وهو ما يجعل من حماية هذه الآثار اليوم معركة لاسترداد حق هؤلاء الأجداد في البقاء والاعتراف التاريخي.
لغة الأرقام: نزيف الهوية فوق الخرائط
الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخات صامتة في وجه المجتمع الدولي:
- سوريا: رصدت تقارير دولية تضرر أكثر من 300 موقع أثري منذ عام 2011، منها ستة مواقع مسجلة على قائمة التراث العالمي لليونسكو.
- العراق: تشير تقديرات غير رسمية إلى فقدان وسرقة ما يقرب من 15 ألف قطعة أثرية من المتحف الوطني العراقي عقب أحداث عام 2003، لم يُستعد منها سوى جزء ضيق.
- تجارة الدم: تُصنف “الآثار المنهوبة” حالياً كثالث أكبر تجارة غير مشروعة في العالم بعد المخدرات والسلاح، حيث تُستخدم عائداتها في تمويل الجماعات المسلحة وإطالة أمد النزاعات.
حراس الذاكرة: الذين أخفوا التاريخ تحت أسرتهم
في كل صراع، يظهر أبطال لا يرتدون الزي العسكري، بل يرتدون قفازات المعامل وتراب المتاحف. هم “حراس الذاكرة” الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
قصة خالد الأسعد: شهيد تدمر لا يمكن الحديث عن حماية التراث دون ذكر عالم الآثار السوري “خالد الأسعد”، الذي رفض الهروب من مدينة تدمر رغم اقتراب الخطر. عندما سُئل عن مكان الكنوز المخبأة، صمت حتى الموت، مفضلاً أن يُعدم على أن يسلم مفاتيح التاريخ لمن لا يقدره. الأسعد لم يكن يحمي ذهباً أو فضة، كان يحمي “الشيفرة الوراثية” لمدينة حكمت الشرق يوماً ما.
مهمات انتحارية في الموصل وفي الموصل، يروي موظفو المتحف كيف قاموا بتهريب القطع الصغيرة في حقائب يدوية تحت القصف، وكيف استخدموا أكياس الرمل يدوية الصنع لحماية التماثيل الضخمة التي استعصى نقلها. هؤلاء الناس لم يكونوا يبحثون عن مكافآت مالية، بل كانوا يدركون أن ضياع هذه القطع يعني تحول مدينتهم إلى “مدينة بلا أب” (مدينة بلا ماضٍ).
ماذا يعني أن تفقد مدينة تاريخها؟
يقول علماء النفس والاجتماع إن فقدان المعالم التاريخية يؤدي إلى حالة من “الارتباك الجماعي”. فالتراث هو البوصلة التي توجه المجتمعات في أوقات الأزمات.
- الهوية الجريحة: عندما يُهدم المعلم الذي اعتاد الناس رؤيته لآلاف السنين، يشعر الفرد بالضعف والضياع، وكأن جزءاً من منزله الشخصي قد دُمر.
- التفكك الاجتماعي: المعالم التاريخية هي نقاط التقاء؛ هي التي تجمع الناس حول “فخر مشترك”. بغيابها، يسهل بث الفرقة والنزاع داخل المجتمع الواحد.
- التأثير الاقتصادي: لا يقتصر الضرر على الجانب النفسي؛ ففقدان التراث يعني تدمير قطاع السياحة، وهو المورد الذي كان من الممكن أن يسهم في إعادة إعمار البلاد بعد انتهاء الحرب.
الاستعمار الثقافي وسرقة الذاكرة
في زمن الحروب، تنشط عصابات دولية منظمة تستغل غياب الأمن لنهب الآثار. هنا يبرز مفهوم “الاستعمار الثقافي”؛ حيث تنتقل ثروات الشعوب الفقيرة والمحاربة إلى صالات عرض فارهة في دول الغرب.
يرى الخبراء أن الصمت الدولي تجاه تجارة الآثار المنهوبة هو “جريمة صامتة”. فالمشكلة لا تكمن فقط في اللصوص الذين يحفرون الأرض في مناطق النزاع، بل في “المشترين” الذين يوفرون الغطاء المالي لهذه الجرائم. إن الهوية الثقافية لأي شعب ليست سلعة للبيع، بل هي حق إنساني غير قابل للتصرف.
اليونسكو والتحرك الدولي: هل يكفي التنديد؟
رغم الجهود التي تبذلها اليونسكو عبر اتفاقية “لاهاي” لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، إلا أن التطبيق على الأرض يظل هشاً. يطالب الناشطون بآليات أكثر صرامة، مثل:
القوات الزرقاء: إنشاء قوات حماية دولية متخصصة في تأمين المواقع التراثية أثناء النزاعات.
التوثيق الرقمي: استخدام تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد (3D Scanning) لحفظ نسخ رقمية دقيقة من الآثار، مما يسهل إعادة إعمارها في حال تعرضت للتدمير.
تشديد الرقابة على المزادات: فرض قوانين تجبر دور المزادات العالمية على إثبات مصدر كل قطعة أثرية قبل عرضها.
الحجر سيتحدث يوماً
إن الحروب تنتهي يوماً ما، والمدن قد تُبنى من جديد، لكن “الروح” التي تسكن في الحجر القديم لا يمكن استنساخها. إن حماية التراث في زمن الحرب ليست ترفاً ثقافياً، بل هي معركة من أجل “البقاء الإنساني”.
عندما نحمي متحفاً أو مئذنة أو كنيسة أثرية، فنحن لا نحمي الماضي فحسب، بل نؤمن الطريق للأجيال القادمة لتعرف من أين أتت، وإلى أين يمكنها أن تذهب. التاريخ ليس حكراً على المؤرخين، بل هو ملك لكل طفل يعيش في تلك الأرض، ومن حقه أن يجد بصمات أجداده شامخة رغم أنف الرصاص.

