د. رانيا فوزي – خبيرة في الشؤون الإسرائيلية والعلاقات الدولية تكتب:
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتكشف ملامح استراتيجية أمريكية تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنها في جوهرها تعكس نمطًا متكررًا في سلوك دونالد ترامب، يقوم على المراوغة بين الخطاب السياسي والتحركات العسكرية. فبينما يروّج ترامب لنهج تفاوضي مع إيران، تشير الوقائع على الأرض إلى استعدادات مكثفة قد تفضي إلى مواجهة عسكرية واسعة خلال وقت قريب.
الخطاب العلني الذي يتحدث عن السلام والاستقرار لا يتسق مع مؤشرات التصعيد المتزايدة. فوفق ما كشفته نيويورك تايمز، قامت الولايات المتحدة بنشر قوة عسكرية ضخمة تتجاوز 50 ألف جندي من وحدات النخبة في الشرق الأوسط، في واحدة من أكبر عمليات الانتشار العسكري خلال العقود الأخيرة. هذا التحرك لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع، يتمثل في إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى فرض معادلات جديدة في المنطقة، فقد استعد الجيش الأمريكي لنقل ما يكفي من القوات البرية إلى الشرق الأوسط لتمكين عملية كبيرة في إيران، والحديث هنا يدور عن آلاف من جنود المارينز والمظليين، وفي الوقت ذاته يُدرس إضافة عشرة آلاف جندي مشاة آخرين، إلى العملية المحتملة الرامية لشن غارات على سواحل إيران وجزيرة النفط خارج .
ما يعزز هذه القراءة هو أن المفاوضات الجارية مع إيران تبدو، في جانب منها، غطاءً لإعادة ترتيب الأوراق عسكريًا. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإدارة الأمريكية، خاصة في عهد ترامب، استخدمت الدبلوماسية كأداة لكسب الوقت، سواء لحشد القوات أو لبناء تحالفات إقليمية ودولية داعمة لأي تحرك عسكري محتمل. وعليه، فإن الحديث عن “السلام”لا ينفي احتمالية “لحرب”، بل قد يكون جزءًا من تكتيك أوسع لإدارتها.
في هذا السياق، تتزايد التقديرات بأن”ساعة الصفر” قد تكون أقرب مما يُعتقد ، مع ترجيحات بشن غارات مركزة على سواحل إيران، وربما استهداف منشآت حيوية مثل جزيرة خرج النفطية بالأسبوع المقبل . هذه العمليات، وإن لم ترقَ إلى مستوى غزو شامل، إلا أنها قد تشكل بداية لمرحلة تصعيد ممتد، خاصة مع الحديث عن تعزيزات إضافية تشمل آلاف الجنود من مشاة البحرية والمظليين.
ولا يمكن فصل هذه التحركات عن الرؤية الأوسع لترامب تجاه الشرق الأوسط، والتي عبّر عنها بشكل غير مباشر خلال حملاته الانتخابية، حين أشار إلى ضرورة إعادة النظر في خريطة النفوذ الإقليمي، فالدعم غير المشروط لـ إسرائيل، والسعي لتعزيز موقعها الاستراتيجي، يشكلان أحد المحركات الرئيسية لهذه السياسة، وهو ما يفسر الترابط بين التصعيد المحتمل مع إيران والاستعدادات الإسرائيلية لتوسيع نطاق عملياتها، خاصة في توقيتات رمزية مثل عيد الفصح.
في المحصلة، لا تبدو السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران قائمة على خيار واحد، بل على مزيج محسوب من الضغط العسكري والمناورة الدبلوماسية. غير أن المؤشرات الميدانية ترجّح كفة التصعيد، ما يجعل المنطقة أمام سيناريو مفتوح على احتمالات خطيرة، قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط لسنوات قادمة.

