هبه وصفي- تكتب:
عندما أصبح الحلم ممكنًا
لا تُولد المباريات الكبرى من فراغ، ولا تبدأ قصتها مع صافرة الحكم. فكل مواجهة في الأدوار الإقصائية لكأس العالم هي نهاية رحلة طويلة من العمل والانتظار والرهانات، ونتيجة مباشرة لسلسلة من المباريات والقرارات الفنية والتحولات النفسية التي قادت منتخبين إلى لحظة لا تقبل سوى نتيجة واحدة: البقاء أو المغادرة.
لهذا، لم تبدأ مباراة مصر والأرجنتين في السابع من يوليو/تموز 2026.
ولم تبدأ مع دخول المنتخبين إلى أرض الملعب، ولا مع عزف النشيدين الوطنيين، ولا حتى مع إعلان قرعة دور الستة عشر.
في الحقيقة، بدأت هذه المباراة قبل ذلك بسنوات.
بدأت مع كل محاولة لإعادة بناء المنتخب المصري بعد مشاركاته السابقة في كأس العالم، ومع كل مشروع فني سعى إلى تجاوز حدود المشاركة المشرفة، ومع كل جيل آمن بأن الكرة المصرية قادرة على أن تصبح منافسًا حقيقيًا على أكبر مسرح كروي في العالم، لا مجرد ضيف يعود مبكرًا إلى الديار.
فعلى امتداد تاريخ البطولة، حملت مصر مفارقة لافتة. فهي أول منتخب عربي وإفريقي يشارك في كأس العالم عام 1934، وصاحبة الرقم القياسي في عدد ألقاب كأس الأمم الإفريقية، لكنها في المقابل ظلت تبحث عن الإنجاز الذي يترجم مكانتها القارية إلى حضور عالمي مستقر.
كان هذا التناقض حاضرًا في أذهان الجماهير والخبراء مع انطلاق بطولة 2026.
ولذلك، لم تكن التوقعات قبل بداية البطولة مرتفعة على نطاق واسع. فقد رأى كثير من المحللين أن تجاوز دور المجموعات سيكون إنجازًا مهمًا، بينما انصبت أغلب الترشيحات على المنتخبات الأوروبية ومنتخبات أمريكا الجنوبية، وفي مقدمتها الأرجنتين، التي دخلت البطولة وهي تحمل مكانة أحد أبرز المرشحين للمنافسة على اللقب.
لكن كرة القدم كثيرًا ما تعيد كتابة التوقعات.
مصر… بطولة غيّرت صورة المنتخب
منذ مبارياته الأولى، بدا أن المنتخب المصري يخوض البطولة بعقلية تختلف عن كثير من المشاركات السابقة.
لم يكن فريقًا يبحث عن أداء مشرف أو نتائج تحفظ ماء الوجه، بل منتخبًا يمتلك مشروعًا واضحًا يقوم على الانضباط الجماعي، والالتزام التكتيكي، وتقليل المساحات، وسرعة التحول بين الدفاع والهجوم. لم يعتمد على المهارات الفردية وحدها، بل على منظومة متكاملة نجحت في مجاراة منتخبات تمتلك خبرة دولية أكبر وقيمة سوقية أعلى.
ومع تقدم البطولة، بدأت الثقة تتزايد داخل الفريق، وبدأت نظرة الإعلام والمحللين تتغير تدريجيًا. فبعد أن كان الحديث يدور حول فرص البقاء في المنافسة، أصبح السؤال المطروح هو: إلى أي مدى يستطيع المنتخب المصري أن يذهب إذا حافظ على هذا المستوى؟
كان هذا التحول أحد أهم مكاسب المنتخب قبل مواجهة الأرجنتين.
فمع كل مباراة، لم يكن المنتخب يضيف نقاطًا إلى رصيده فحسب، بل كان يغير الصورة الذهنية التي تكونت عنه على مدار عقود. ولم يعد يُنظر إليه بوصفه ممثلًا للكرة العربية أو الإفريقية فقط، بل باعتباره منافسًا قادرًا على إرباك الحسابات وفرض أسلوبه على خصوم أكثر خبرة.
ولم يكن هذا الانطباع وليد الحماس الجماهيري، بل نتيجة مباشرة لما قدمه المنتخب داخل الملعب.
فقد أظهر صلابة دفاعية، وانضباطًا في تنفيذ الواجبات التكتيكية، وهدوءًا في إدارة مجريات المباريات، وقدرة على استثمار الفرص في اللحظات الحاسمة، وهي صفات كثيرًا ما تصنع الفارق في بطولات خروج المغلوب.
الأرجنتين… عبء التاريخ والدفاع عن الإرث
على الجانب الآخر، كانت الأرجنتين تشق طريقها في البطولة وهي تحمل نوعًا مختلفًا من الضغوط.
فالمنتخبات الكبرى لا تدخل كأس العالم بحثًا عن إثبات الذات، وإنما دفاعًا عن مكانتها. وكل انتصار يتحقق يُنظر إليه باعتباره أمرًا طبيعيًا، بينما يتحول أي تعثر إلى حدث يستدعي النقد والمراجعة.
ولهذا، لم يكن المنتخب الأرجنتيني يواجه خصومه فقط، بل كان يواجه أيضًا ثقل تاريخه، وتوقعات جماهيره، وضغوط الاستمرار في المنافسة على اللقب.
ورغم نجاحه في بلوغ دور الستة عشر، فإن بعض مبارياته كشفت عن تحديات فنية استدعت اهتمام الجهاز الفني، خاصة أمام المنتخبات التي تعتمد على التنظيم والانضباط أكثر من اعتمادها على الاستحواذ أو المهارات الفردية.
ومن هنا، لم تنظر الأرجنتين إلى المنتخب المصري باعتباره خصمًا عابرًا، بل فريقًا يتطلب إعدادًا خاصًا، بعدما أثبت أنه يمتلك القدرة على المنافسة والانضباط واللعب تحت الضغط.
مواجهة فرضتها نتائج البطولة
لم يكن لأي من المنتخبين حق اختيار منافسه.
ففي بطولات كأس العالم، ترسم النتائج الطريق إلى الأدوار الإقصائية، حتى يجد كل فريق نفسه أمام اختبار جديد فرضته حسابات البطولة.
وهكذا، قادت النتائج مصر والأرجنتين إلى مواجهة جمعت بين تاريخين مختلفين، وطموحين متباينين.
منتخب يسعى إلى تثبيت مكانته بين عمالقة اللعبة.
وآخر يحاول أن يكتب صفحة جديدة في تاريخه، ويكسر أحد أكثر الحواجز صعوبة في مسيرة الكرة المصرية.
ومع اقتراب موعد اللقاء، ازداد الاهتمام الإعلامي بصورة ملحوظة.
فقد أفردت الصحف والقنوات الرياضية مساحات واسعة لتحليل المواجهة، وتناول المحللون نقاط القوة والضعف لدى المنتخبين، بينما انشغل الجمهور بالتوقعات والسيناريوهات المحتملة.
وتكررت الأسئلة نفسها في معظم التحليلات:
هل تحسم الخبرة المواجهة؟
أم ينجح الانضباط التكتيكي في صناعة المفاجأة؟
هل ينتصر التاريخ؟
أم تكتب البطولة فصلًا جديدًا؟
الساعات الأخيرة قبل المباراة
في اليومين الأخيرين قبل اللقاء، بدت الأجواء مختلفة داخل المعسكرين.
فعلى الرغم من الهدوء الذي ظهر في المؤتمرات الصحفية والتصريحات الرسمية، فإن أهمية المباراة فرضت ضغوطًا استثنائية على الجميع.
كان كل جهاز فني يراجع أدق التفاصيل.
اختيار التشكيل.
الحالة البدنية للاعبين.
السيناريوهات المحتملة.
والحلول التي يمكن اللجوء إليها إذا تغيرت مجريات المباراة.
أما خارج المعسكرين، فقد كانت مدينة أتلانتا تستعد لاستقبال واحدة من أكثر مباريات دور الستة عشر انتظارًا.
وفي صباح السابع من يوليو/تموز، بدأت الجماهير تتوافد إلى ملعب المباراة منذ ساعات مبكرة، بينما تابعت عدسات المصورين وصول المنتخبين، ورصدت لحظات الاستعداد الأخيرة داخل الممرات المؤدية إلى أرض الملعب. وأظهرت الصور لاعبي المنتخب المصري متحلقين في دائرة واحدة قبل الإحماء، في مشهد عكس حالة التركيز والتماسك التي دخل بها الفريق اللقاء، فيما امتلأت المدرجات تدريجيًا بجماهير جاءت تترقب مواجهة بدت، على الورق، متكافئة في الطموح وإن اختلفت في التاريخ.
لم يكن أحد داخل الملعب يعرف كيف ستنتهي تلك الليلة.
كان الجميع يدرك فقط أن تسعين دقيقة تفصل أحد المنتخبين عن ربع النهائي.
لكن أحدًا لم يكن يتوقع أن تتحول تلك الدقائق إلى واحدة من أكثر مباريات كأس العالم 2026 إثارة للنقاش، وأن تصبح لاحقًا موضوعًا للتحليل، وإعادة المشاهدة، والجدل القانوني والإعلامي، وأن تبقى حاضرة في الذاكرة، ليس بسبب نتيجتها وحدها، بل بسبب كل ما حملته من أحداث وأسئلة لم تتوقف مع صافرة النهاية.

