هبه وصفي- تكتب:
الساعات التي سبقت صافرة البداية
هناك أيام تمر في الذاكرة بهدوء، وأيام أخرى تتحول، مع مرور الساعات، إلى محطات لا تُنسى.
كان السابع من يوليو/تموز 2026 واحدًا من تلك الأيام.
ففي مدينة أتلانتا الأمريكية، لم يكن الصباح يشبه غيره من أيام البطولة. فمع اقتراب موعد انطلاق إحدى مواجهات دور الستة عشر، بدأت المدينة تستعد لاستقبال مباراة تجمع بين منتخبين يلتقيان عند نقطة واحدة، رغم اختلاف تاريخهما وطموحهما.
على جانب، يقف المنتخب الأرجنتيني، حامل لقب النسخة السابقة وأحد أبرز المرشحين لمواصلة المشوار نحو الأدوار النهائية.
وعلى الجانب الآخر، يقف المنتخب المصري، الذي دخل البطولة دون أن يكون ضمن دائرة الترشيحات الرئيسية، لكنه فرض نفسه تدريجيًا بفضل ما قدمه من تنظيم وانضباط وشخصية تنافسية جعلته أحد أكثر المنتخبات لفتًا للانتباه في البطولة.
كانت المواجهة، في ظاهرها، مباراة على بطاقة التأهل إلى الدور ربع النهائي.
لكنها، في جوهرها، كانت اختبارًا لطريقين مختلفين؛ أحدهما يسعى إلى الحفاظ على مكانته بين كبار اللعبة، والآخر يحاول أن يكتب فصلًا جديدًا في تاريخه.
صمت ما قبل العاصفة
في مثل هذه المباريات، لا يكون الصخب هو السمة الغالبة داخل غرف الملابس، بل الصمت.
يدرك اللاعبون أن رحلة امتدت لأشهر، وربما لسنوات، ستُختزل في تسعين دقيقة، وأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق بين الاستمرار في البطولة والعودة إلى الوطن.
داخل معسكر المنتخب المصري، كانت الساعات الأخيرة تمضي في مراجعة التعليمات النهائية، ومناقشة الأدوار الفردية والجماعية، فيما حرص الجهاز الفني على الحفاظ على أعلى درجات التركيز، بعيدًا عن الضجيج الذي صاحب المباراة في وسائل الإعلام.
وفي الجانب المقابل، بدت الأجواء داخل المعسكر الأرجنتيني أكثر هدوءًا مما توحي به أهمية اللقاء. فقد دخل الفريق المباراة معتمدًا على قوامه الأساسي، في إشارة إلى ثقة الجهاز الفني بالمجموعة التي حملت مسؤولية الدفاع عن اللقب.
المشهد خارج غرف الملابس
مع اقتراب موعد المباراة، بدأت الجماهير تتوافد إلى الملعب منذ ساعات مبكرة.
وامتلأت المدرجات تدريجيًا بأعلام مصر والأرجنتين، واختلطت الألوان والهتافات في مشهد يعكس الطابع العالمي لكأس العالم، حيث جاءت جماهير من دول مختلفة لمتابعة واحدة من أبرز مباريات دور الستة عشر.
في تلك الأثناء، تابعت عدسات وكالات الأنباء وصول المنتخبين، ورصدت لحظات الإحماء الأخيرة، كما وثقت تجمع لاعبي المنتخب المصري في دائرة واحدة قبل النزول إلى أرض الملعب، وهي صورة أصبحت لاحقًا من أكثر الصور ارتباطًا بذاكرة تلك المباراة، لما عكسته من تركيز وتماسك وروح جماعية.
مواجهة بين تاريخين
لم تكن المباراة مجرد لقاء بين منتخبين.
فالأرجنتين جاءت وهي تحمل إرثًا طويلًا من البطولات والخبرة في مباريات خروج المغلوب، بينما جاءت مصر وهي تحمل حلمًا ظل يرافق أجيالًا متعاقبة من اللاعبين والجماهير، يتمثل في بلوغ مرحلة غير مسبوقة في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم.
لهذا، لم تكن الضغوط موزعة بالتساوي.
فبالنسبة إلى الأرجنتين، كان الخروج من دور الستة عشر سيُعد إخفاقًا كبيرًا قياسًا إلى مكانتها وتوقعات جماهيرها.
أما بالنسبة إلى مصر، فكان التأهل إلى ربع النهائي سيُمثل إنجازًا تاريخيًا يغيّر موقع المنتخب في سجل مشاركاته المونديالية.
هذا التباين في طبيعة الرهانات منح المباراة خصوصية إضافية حتى قبل أن تبدأ.
قبل أن تتحرك الكرة
في الساعات الأخيرة، انشغلت وسائل الإعلام بتحليل الخطط المتوقعة، ونقاط القوة والضعف لدى المنتخبين، بينما انقسمت التوقعات بين من رأى أن خبرة الأرجنتين ستحسم المواجهة، ومن اعتقد أن التنظيم الذي أظهره المنتخب المصري طوال البطولة قد يمنحه فرصة لصناعة مفاجأة جديدة.
لكن كل تلك التوقعات كانت ستصبح بلا قيمة مع صافرة البداية.
ففي مباريات كأس العالم، لا تُكتب النتائج قبل أن تتحرك الكرة، ولا تكفي الأرقام وحدها لتفسير ما يحدث داخل الملعب.
بعد دقائق قليلة، سيبدأ فصل جديد.
فصل ستتغير فيه كل التوقعات، وستتحول فيه مباراة كانت تبدو محسومة على الورق إلى واحدة من أكثر مواجهات البطولة إثارة، قبل أن تفتح نهايتها بابًا واسعًا للنقاش والتحليل.
وهناك، مع صافرة البداية، تبدأ الرواية الحقيقية.

