هبه وصفي- تكتب:
“من حلوان خرج طفلان يحملان كرةً وحلمًا… ومن بوابة الأهلي بدأت الرحلة التي ستعرفها مصر كلها.”
“هناك فرق بين أن تحلم بالأهلي، وأن تصبح جزءًا منه. فالأول أمنية، أما الثاني فهو امتحان يبدأ كل صباح.”
لم يكد حسام وإبراهيم يبدآن أولى خطواتهما داخل النادي الأهلي، حتى تعرضت الأسرة لواحدة من أصعب لحظاتها.
رحل الأب.
لم يكن مجرد موظف في وزارة التربية والتعليم، أو رب أسرة كبيرة.
كان السند الأول.
والرجل الذي بنى داخل أبنائه معنى النظام والالتزام وتحمل المسؤولية.
جاءت الوفاة مبكرًا، بينما كان التوأم لا يزالان في بداية رحلتهما مع كرة القدم.
وفجأة، لم يعد الحلم مجرد لعبة.
ولم تعد الكرة مجرد متعة.
أصبحت مسؤولية.
وفي أكثر من لقاء، استعاد حسام حسن تلك الأيام بصوت امتزج فيه الحزن بالفخر.
روى أن والده توفي، وأنه وشقيقه إبراهيم، بعد تشييع الجنازة، ذهبا في اليوم التالي إلى مباراة لفريق الناشئين بالأهلي.
لم يخبرا الجهاز الفني بما حدث.
ولم يطلبا الغياب.
نزلا إلى الملعب، وأديا المباراة، ثم عادا إلى بيتهما الذي كان لا يزال يعيش صدمة الفقد.
قد يختلف الناس في تفسير هذا الموقف.
لكن المؤكد أنه يكشف شيئًا عن شخصية تشكلت مبكرًا على فكرة الواجب.
كان الألم حاضرًا.
لكن المسؤولية كانت حاضرة أيضًا.
ومنذ تلك اللحظة، بدا أن الطفلين اللذين خرجا من شوارع حلوان لم يعودا طفلين بالكامل.
كانت الحياة قد منحتهما أول درس قاسٍ.
الأم… التي أصبحت الوطن كله
بعد رحيل الأب، أصبحت الأم مركز الأسرة.
لم تكتفِ بدور الأم الحنون، بل حملت مسؤولية بيت كامل، وحاولت أن تحافظ على تماسك أبنائها، وأن تمنحهم الإحساس بالأمان رغم قسوة الظروف.
ظل حسام وإبراهيم يذكرانها في لقاءاتهما بكل امتنان، وكانا يؤكدان أن نجاحهما لم يكن ليتحقق لولا صبرها ودعمها.
ولهذا، لم يكن غريبًا أن يظل ارتباطهما بها استثنائيًا حتى بعد أن أصبحا من أشهر لاعبي مصر.
حين تغير كل شيء
لم يكن اجتياز اختبارات النادي الأهلي نهاية الطريق بالنسبة إلى حسام وإبراهيم حسن، بل كان أول امتحان حقيقي في حياتهما الكروية.
كان آلاف الأطفال يحلمون بالوصول إلى بوابة النادي، لكن القليل فقط من استطاعوا البقاء داخله. ففي الأهلي، لم يكن الانضمام إلى فرق الناشئين يمنح صاحبه أي ضمانة للمستقبل. كل موسم كان يبدأ من الصفر، وكل تدريب كان اختبارًا جديدًا، وكل مباراة قد تفتح بابًا أو تغلقه.
دخل التوأم هذا العالم وهما يدركان أن ما حققاه حتى الآن ليس سوى الخطوة الأولى. لم تعد شوارع حلوان هي ملعبهما، ولم تعد المنافسة بين أبناء الحي، بل بين أفضل المواهب التي جاءت من مختلف أنحاء مصر، يحمل كل واحد منها الحلم نفسه.
في ملاعب الناشئين بالجزيرة، تغير إيقاع الحياة.
كانت التدريبات تبدأ في مواعيد دقيقة، والانضباط جزءًا من شخصية اللاعب قبل أن يكون بندًا في اللائحة. لم يعد أحد يهتم بما فعله اللاعب في مباراة الأمس، بل بما سيقدمه اليوم. وكان البقاء للأكثر اجتهادًا، لا للأكثر موهبة فقط.
وسرعان ما بدأ المدربون يلاحظون أن حسام حسن يختلف عن كثير من زملائه.
لم يكن أطولهم قامة، ولا أقواهم بنية، لكنه امتلك شيئًا يصعب تدريسه.
شغفًا لا ينطفئ.
كان يطارد الكرة حتى اللحظة الأخيرة، ويغضب إذا خسر التقسيمة، ويفرح بالهدف في التدريب كما لو أنه هدف في نهائي بطولة. لم يكن يعرف المباريات الودية، لأن كل مباراة بالنسبة إليه كانت معركة يجب أن تُحسم.
أما إبراهيم، فقد كانت شخصيته أكثر هدوءًا داخل الملعب، لكنه امتلك ذكاءً تكتيكيًا لفت أنظار المدربين مبكرًا. كان يقرأ اللعب جيدًا، ويعرف متى يتدخل، ومتى يترك الكرة، ومتى يبدأ الهجمة من الخلف.
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح الثنائي تتشكل.
حسام مهاجم بالفطرة.
وإبراهيم مدافع لا يهدأ.
لكن ما جمعهما لم يكن المركز، بل العقلية.
كانا يرفضان الخسارة.
ويؤمنان بأن الاجتهاد هو الطريق الوحيد للاستمرار داخل النادي الذي لم يكن يمنح شيئًا مجانًا.
لم تكن سنوات الناشئين مليئة بالأضواء، لكنها كانت السنوات التي صُنعت فيها شخصية “العميد”. ففي تلك الملاعب الصغيرة، وبين تدريبات لا يحضرها جمهور ولا تنقلها الكاميرات، تشكلت الروح التي سترافق حسام حسن طوال حياته لاعبًا ومدربًا.
من أرشيف هبة وصفي
حين نقرأ مسيرة حسام حسن، قد يبدو أن الأهداف هي التي صنعت اسمه.
لكن الحقيقة أن اسمه بدأ يُصنع في تدريبات الناشئين، عندما كان يرفض أن يخسر حتى مباراة تقسيمة.
فاللاعب الذي لا يقبل الهزيمة وهو في الرابعة عشرة من عمره، غالبًا لن يقبلها وهو يقود منتخب بلاده بعد ثلاثين عامًا.
لا أعتقد أن حياة حسام حسن انقسمت بين مرحلتين بسبب أول هدف سجله.
بل انقسمت يوم فقد والده.
قبل ذلك اليوم، كان طفلًا يطارد حلمًا.
وبعده، أصبح شابًا يطارد مستقبلًا.
وربما لهذا السبب، لم يعرف الجمهور يومًا حسام حسن لاعبًا يستسلم بسهولة.
فالإنسان الذي يتعلم مبكرًا أن الحياة قد تأخذ منه أغلى ما يملك، يصبح أكثر تمسكًا بكل فرصة تمنحها له.

