هبه وصفي- تكتب:
الجذور…
“لا تبدأ الحكايات الكبرى يوم يعرف الناس أسماء أبطالها، بل تبدأ يوم يكونون مجرد أطفال لا يلتفت إليهم أحد.”
في مساءات القاهرة خلال ستينيات القرن العشرين، كانت المدينة تكبر بسرعة، فيما كانت الضواحي المحيطة بها تكتسب ملامح جديدة مع اتساع العمران وقيام المصانع الكبرى. وعلى أطراف العاصمة، كانت حلوان تتحول إلى واحدة من أهم المدن الصناعية في مصر، حيث توافدت إليها آلاف الأسر التي جاءت بحثًا عن العمل والاستقرار، لتنشأ أحياء تمزج بين البساطة وروح الكفاح.
لم تكن حلوان آنذاك مجرد مدينة يسكنها العمال والموظفون، بل كانت مجتمعًا كاملًا له شخصيته الخاصة. في الصباح تتجه الحشود إلى المصانع، وفي المساء تعود الشوارع إلى الأطفال الذين يحولون كل مساحة مفتوحة إلى ملعب لكرة القدم. لم تكن هناك أكاديميات متخصصة، ولا ملاعب نجيلية، ولا أحذية باهظة الثمن. كانت الكرة تُلعب فوق التراب والأسفلت، وتُصنع الموهبة وسط صخب الحياة اليومية.
في ذلك العالم، وُلد طفل لن يعرف أحد يومها أنه سيصبح بعد سنوات أحد أبرز الأسماء في تاريخ الرياضة المصرية.
في 10 أغسطس 1966، أبصر حسام حسن النور في حلوان، داخل أسرة مصرية متوسطة الحال، لم تكن تختلف كثيرًا عن آلاف الأسر التي كانت تحاول أن تبني مستقبل أبنائها بالإمكانات المتاحة.
لم يكن ميلاده خبرًا في صحيفة، ولم يكن حدثًا استثنائيًا…
لكن التاريخ كثيرًا ما يبدأ في هدوء…
بيت كبير… وحلم أكبر
نشأ حسام حسن في بيت تتجاوز فيه قيمة الترابط قيمة الرفاهية.
كان والده يعمل موظفًا بوزارة التربية والتعليم، وهي وظيفة وفرت للأسرة حياة مستقرة، لكنها لم تكن تعني اليسر المادي. أما الأسرة نفسها فكانت كبيرة؛ إذ ضمت عشرة أبناء، ستة ذكور وأربع بنات، في زمن كانت فيه الأسرة الممتدة تمثل صورة مألوفة للمجتمع المصري.
داخل هذا البيت، لم تكن المسؤوليات موزعة على الوالدين وحدهما. كان الأبناء يتعلمون منذ الصغر أن لكل فرد دورًا، وأن التعاون ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل ضرورة تفرضها الحياة اليومية.
في مثل هذه البيئات، لا يتربى الأطفال على الفردية، وإنما على الشعور بأن نجاح أحد أفراد الأسرة هو نجاح للجميع، وأن تعثر أحدهم يترك أثره على الجميع أيضًا.
ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من شخصية حسام حسن لاحقًا؛ ذلك الإحساس العميق بالانتماء، سواء للأسرة أو للفريق أو للقميص الذي يرتديه.
الأب… أول درس في الانضباط
لم يكن والد حسام حسن شخصية عامة، ولم يسع يومًا إلى الأضواء.
لكن أثره في حياة أبنائه كان واضحًا.
بحكم عمله في وزارة التربية والتعليم، كان يؤمن بقيمة النظام والالتزام، وحرص على أن يكمل أبناؤه تعليمهم، وألا تتحول كرة القدم إلى ذريعة لإهمال الدراسة أو المسؤوليات.
وتشير روايات حسام وإبراهيم إلى أن الأب لم يكن يرفض كرة القدم من حيث المبدأ، لكنه كان ينظر إليها بحذر، مثل كثير من الآباء في ذلك الزمن، إذ لم يكن الاحتراف قد أصبح طريقًا مضمونًا للمستقبل، وكانت الوظيفة المستقرة تبدو أكثر أمانًا من حلم قد لا يتحقق.
ولذلك، عندما بدأ التوأم يفكران في اختبارات النادي الأهلي، لم يكن متأكدين من أن الأسرة ستوافق بسهولة.
وسيكون لهذا التردد أثره في القرار الذي سيتخذانه لاحقًا، حين يذهبان إلى الاختبارات دون أن يخبرا أحدًا.
الأم… القلب الذي ظل مفتوحًا دائمًا
إذا كان الأب يمثل النظام، فإن الأم كانت تمثل الطمأنينة.
وفي واحدة من أكثر الذكريات صدقًا، كشف حسام حسن أن تعلقه بوالدته كان استثنائيًا، حتى إنه هو وشقيقه إبراهيم ظلا، حتى بعد انضمامهما إلى الأهلي واقترابهما من المنتخب الوطني، ينامان إلى جوارها؛ أحدهما عن يمينها والآخر عن يسارها.
قد تبدو هذه الواقعة بسيطة، لكنها تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية عرفها الجمهور بالقوة والانفعال والصلابة.
فالإنسان الذي بدا داخل الملعب مقاتلًا لا يهدأ، كان خارج الملعب ابنًا شديد الارتباط بأمه، يستمد منها الإحساس بالأمان في سنوات كانت حياته فيها تتغير بسرعة.
ولعل هذه العلاقة الخاصة تفسر كثيرًا من ملامح شخصيته الإنسانية التي لم تكن تظهر دائمًا أمام عدسات الكاميرات.
توأم… لا يشبه أي توأم
في التاريخ الرياضي، عرفت الملاعب كثيرًا من الإخوة الذين لعبوا في الفريق نفسه.
لكن قليلين كانوا مثل حسام وإبراهيم حسن.
فمنذ اللحظة الأولى، لم تكن العلاقة بينهما مجرد رابطة دم، بل شراكة حياة كاملة.
ولدا في اليوم نفسه.
نشآ في البيت نفسه.
درسا معًا.
لعبا الكرة معًا.
عملا معًا.
ودخلا الأهلي معًا.
ثم ارتديا قميص منتخب مصر معًا.
وسيكتبان معًا واحدًا من أكثر الفصول فرادة في تاريخ كرة القدم المصرية.
لكن، وعلى الرغم من هذا التشابه، كانت شخصية كل منهما مختلفة.
كان حسام أكثر ميلًا إلى المواجهة، وأكثر اندفاعًا داخل الملعب، بينما اتجه إبراهيم بطبيعته إلى أدوار دفاعية تعكس قدرته على قراءة اللعب والتغطية.
وسيكتشف الجمهور، بعد سنوات، أن قوة كل واحد منهما لم تكن منفصلة عن وجود الآخر.
المدينة التي كانت ملعبًا
قبل أن يتعرف حسام حسن إلى الملاعب الحقيقية، كانت شوارع حلوان هي ملعبه الأول.
في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، لم تكن كرة القدم في مصر تبدأ داخل الأندية، بل كانت تبدأ في الأزقة والساحات الترابية. كانت قطعة أرض خالية تكفي لإقامة مباراة كاملة، وكان حجران أو حقيبتان مدرسيتان يكفيان لرسم مرمى.
في تلك البيئة، لم يكن أحد يشرح للأطفال كيف يراوغون أو كيف يتحركون دون كرة.
الشارع هو الذي كان يفعل ذلك.
كان الطفل يتعلم كيف يحافظ على الكرة وسط الزحام، وكيف يتجنب الالتحامات، وكيف ينهض سريعًا بعد السقوط لأن المباراة لا تتوقف من أجله.
ورغم بساطة هذه المباريات، فإنها كانت أول مدرسة حقيقية لصناعة الشخصية الكروية.
وحسام حسن كان واحدًا من أبناء تلك المدرسة.
من اللعب… إلى الحلم
شيئًا فشيئًا، لم تعد كرة القدم بالنسبة إلى حسام وإبراهيم مجرد وسيلة لقضاء الوقت.
تحولت إلى حلم.
كانا يتابعان مباريات الأهلي والزمالك، ويحفظان أسماء اللاعبين الكبار، ويحاولان تقليدهم في الشارع.
لكن الفرق بينهما وبين آلاف الأطفال الآخرين، أن الحلم لم يبقَ مجرد خيال.
كان هناك استعداد دائم لبذل الجهد من أجله.
ولهذا، عندما سنحت الفرصة للانضمام إلى مدرسة الكرة، لم يترددا.
نادي التصنيع… الخطوة الأولى
كانت البداية المنظمة في نادي التصنيع بحلوان.
في ذلك الوقت، لعبت أندية الشركات والمصانع دورًا مهمًا في اكتشاف المواهب، وكانت توفر للأطفال فرصة الانتقال من الكرة العشوائية إلى التدريب المنتظم.
داخل نادي التصنيع، بدأ حسام حسن يتعرف إلى معنى الالتزام بالمواعيد، وإلى الفارق بين اللعب من أجل المتعة، واللعب من أجل التطور.
ولم يكن وحده.
كان إبراهيم إلى جواره في كل خطوة.
تدريب واحد.
وحلم واحد.
وطريق واحد.
أول اختبار للحلم
لم يمض وقت طويل حتى بدأ الحديث عن اختبارات النادي الأهلي.
كان الأهلي، بالنسبة لأي طفل يعشق الكرة في مصر، أكثر من مجرد نادٍ.
كان الوجهة التي يحلم بها الجميع.
لكن الوصول إليها لم يكن سهلًا.
كان على اللاعب أن يحصل على استمارة الاختبار.
وأن يمتلك الحذاء المناسب.
وأن يتحمل تكاليف الانتقال.
وأن يثبت نفسه وسط مئات المتقدمين.
وبالنسبة إلى طفلين من أسرة كبيرة، لم تكن هذه أمورًا بسيطة.
الفرن الذي موّل الحلم
في أحد أكثر الاعترافات صدقًا في لقاءات حسام وإبراهيم حسن، تحدثا عن عملهما في فرن للخبز خلال الإجازة.
لم يكن العمل عقابًا.
ولم يكن اضطرارًا إلى ترك الدراسة.
كان وسيلة لتوفير المال.
كانا يحتاجان إلى شراء الحذاء الرياضي، ودفع قيمة استمارة اختبارات الأهلي.
ولذلك عملا بأيديهما.
هذه الواقعة، التي قد يمر عليها البعض سريعًا، تحمل معنى أعمق.
فكثير من الأحلام تنتهي عندما تصطدم بأول عقبة.
أما حسام وإبراهيم، فقد اختارا أن يبحثا عن حل، لا عن عذر.
ولم يكن يدور في ذهنهما آنذاك أن سنوات طويلة ستجعل الناس يروون هذه القصة باعتبارها بداية أسطورة.
الطريق إلى الجزيرة
بعد أن أصبح كل شيء جاهزًا، بقي القرار الأصعب.
هل يخبران الأسرة؟
تذكر حسام وإبراهيم، بعد سنوات، أنهما ذهبا إلى اختبارات الأهلي دون علم والدهما.
لم يكن ذلك تمردًا.
بل خوفًا من أن يرفض فكرة انتقال طفلين صغيرين بصورة متكررة من حلوان إلى مقر النادي في الجزيرة.
كانا يريدان أن يحصلا على الفرصة أولًا.
ثم يواجها الأسرة بالنتيجة.
وهكذا بدأت الرحلة.
طفلان يحمل كل واحد منهما حقيبته الصغيرة، ويذهبان نحو مستقبل لا يعرفان عنه شيئًا.
رجل اسمه زيزو
في اختبارات الناشئين، مر أمام المدربين مئات الأطفال.
لكن أحد الأسماء التي صنعت تاريخ الأهلي، الكابتن عبد العزيز عبد الشافي “زيزو”، توقف أمام التوأم.
لم يكن يعرفهما.
ولم يكن يعرف أنهما شقيقان.
كل ما رآه لاعبين يملكان شيئًا مختلفًا.
اختارهما.
ثم اكتشف بعد ذلك أن الطفلين اللذين لفتا انتباهه يحملان الاسم نفسه، ويعودان إلى الأسرة نفسها.
ربما لم يكن يدرك أنه يوقع في تلك اللحظة على بداية واحدة من أطول المسيرات في تاريخ النادي الأهلي والمنتخب المصري.
من أرشيف هبة وصفي
عندما يقرأ الناس عن حسام حسن، يتوقفون غالبًا عند البطولات، والأهداف، والأرقام القياسية.
لكن التاريخ لا يبدأ بالأرقام.
التاريخ يبدأ بقرار.
قرار طفلين أن يعملا في فرن للخبز بدلًا من الاستسلام لضيق الحال.
وقرار أن يذهبا إلى اختبارات الأهلي رغم خوفهما من الرفض.
وقرار مدرب أن يمنحهما الفرصة.
كل بطولة جاءت بعد ذلك، كانت امتدادًا لتلك القرارات الصغيرة.
فالأبطال لا يصنعهم الحظ وحده.
بل تصنعهم سلسلة طويلة من الخيارات الصعبة التي يتخذونها قبل أن يعرفهم العالم.

